سلطان المعاني .. الحفر المعرفي طباعة أرسل إلى صديق

الحفر المعرفي

في قصيدة "رجع الصهيل" لخالد الكركي

يدخل كثيرون في سكتهم الأخير.. دون وعي منهم أن مراحل النشأة التي تستوجب النهوض، تقترن بالنص المُتخلّق من رحم الموقف والفعل.. وهو، على أية حال، فعل إنساني بتطرفاته بين المُمَارَس افتضاحاً، والمُمارَس نضالاً ومقاومةً واستشهاداً. ولا ينفكّ الشاعر يستحضر الفعل المُقاوِم والمتعالي مدادا لكتاباته، محققاً أشراط تَخَلُّق الحضور فطرة وبداهة، يمارس فيه اركيولوجيا التنقيب والحفر.. عن إبراهيم الرّكن والعقيد، وعن إبراهيم المُهمّش والقصيّ، وعن قاسم الرّكن والمستجير..

في بدايات القرن العشرين قاد الكركيون ثورتهم ضد الأتراك في موقعة أسموها الهبَّة، وقد أبلى أبناء الكرك فيها بلاء خنق الغزاة وأذهب بصيرتهم، فأخذوا يُقتِّلون في شباب الكرك ورجاله بوحشية عز نظيرها في أسفار القتل والسلب، وقد اقتيد الشيخ المناضل قدر المجالي إلى سجن دمشق، وقضى مستشهدا فيه بعد أن دُسّ له السم. وفي الثورة ضد إبراهيم باشا والأتراك تأبى الكرك إلا المعالي في "الصيت" والفعل، فها هُنّ أخوات عليا مشخص وبندر يدخلن السجن السياسي.. المقاوم.. وتتغنى بهن قصائد الأحرار في الكرك والوطن.. فقد ألهبت مشخص حماسة الثوار، ووقفت وقفة الخالدات خلف الثوار تزودهم بالمؤن والدواء والسلاح.. وهم يقاومون جند ومرتزقة الرجل المريض.. وقد أوصلتهم تترية الفعل إلى أبشع صور القتل في أحرار وحرائر الوطن.

وقد وعى خالد الكركي أن الكرك لم تكن نسيا في سفر التاريخ، ولا علِّقت في حواشيه، بل مسكونة في تضاعيف الروح، فحين باح بوصلها ميشع، ألمَّ بسرادقها العشاق، ونهلوا منها صفو مشرب، ورنوا إلى مجدها، فكانت بواكير أشعارهم وأولى تلال رفراف بيارقهم، وحين اكتُشِف النقشُ سطّر على الأركان سفرا عظيماً، نظم إيقاع المد الوطني، فها هي أسفار أهله تفترش الأرض، تضمهم وتضمنا، فتنشد أهزوجة التاريخ خالدة، وسامية في سماء مؤاب، عذبة في رقراقها، تسكب راحها في الروح، وتظل مُسيَّجة بدم شهداء هذه الأمة .. الدارعين بقاماتهم نبع صفاء وطول قناة ... ولتخفق فوق صهوة رباها البيارق عروبية، فمؤاب لا شتات حمى، ولا نبو سيوف، بل خيل جامحة في الصدور، طاب فيها اللقاء وطابت المنازل... "عليا، ويا للحلم إذ يشتق من دمه الزمان وورده، ويرِقُّ مثل العشق، حتى لا تراه إذا توغل في الهبوب... عليا، وما من سيد إلاه/ إبراهيم، تلقاه على شرفات قلعته: شموخ النسر في الزمن المهيب... عليا، وما من فارس إلاه، يحملها على كفين من عبق وطيب، عليا وجمر عند باب مؤاب ملتهبٌ، وخلف الباب قطاع الدروب".

عليا إيقاع القصيدة في تناوب الحزن، والأمومة، رفيقة درب الشيخ في نضاله وكدحه.. فَيُكَثِّف الشاعر ببراعةٍ الحدثَ، بكليته وتفاصيله، في استحضارها عنونةَ دفقِ كثير من جُملهِ الشعرية. وتفيض النفس بمشاعر الانتشاء والزهو وهي تستقبل ميشع بن كيموشيت يزف بشرى النصر في مسلته التي خلدها سفرا مؤابياً أودعه ذمة التاريخ منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وحين يكون التاريخ أردنياً، ومستودع الأمانة فيه مؤاب، تكتنف النفس المعالي، وتذعن لها شمائل الخلق.. ويغدو النصر إرثاً متواتراً بجعفر، وصلاح الدين، وقدر، وإبراهيم.

وها أنا ميشع بن كموش ملك مؤب الذيباني.. أحمل المجد على كاهلي.. أزفُّ السيف والرمح.. معالم تغدو ضراب السائرين ومنارات فتح وكبرياء .. أنا ميشع بن كيموشيت سيد النُبلِ والنَبل... أسمع رجع الصهيل.. فـ"ها صوت إبراهيم من أقصى المدينة، يقرأ السطر الذي خطته كفاه على غيم الكرك، ويرى المدى حرباً، فيجمع جيشه من روح مؤته، عنفوان الريح، صوت الباكيات على علي، العاديات وسيف ميشعَ، والضحى والبرق والشجر، المخبأ في ثنايا السّيل، تطلعُ كلّها وتصيح في الفج البعيد: يا شيخنا خذنا معك"... الصاعدون إلى العلا أهلي المؤابيون، أليست لنا أحلامنا التي ترتقي سُدُف الغمام؟ ألسنا أصحاب حق ندافع عن وطن أسكننا الروح.. وسكناه أَمَنَةً ونُعاسا؟ أليس من حقنا أن نرودَ النجم والجوزاء، والوطن المكلل بالظفر؟.. "سنردّهم، خرج النداء من القلاع، وردّدته حناجر ظمأى: اصمدوا ها نحن، سهلٌ قد تعطّر جعفريّ الدم، أو رمحٌ تقلّب في جراحات الحروب، هذي قبور الراحلين، شيوخ هذا الحي، فانظر: تراهم يصعدون إلى مدينتهم، زرافات, فيخضّر المدى".

ويفرض الزمن إيقاعاته على النص الشعري في نهارات أيام عجاف، و"سبعيناً من العتمات والحسرات والنسيان"، وفي ضدية ذلك يستنهض روح الثورة والتمرد على الانكسار. ويحلو للشاعر، المتناسل من تلك اللحظات بحشرجتها وإضاءتها، البوح اللاهب عن رحلة المضاء الجنوبي في قلعة الكرك، وذاك الرمز، الحقيقة، عن تجسيد الموقف بين الأب المكلوم بولديه، وبين عشق الأرض وصون العرض.

نحن الذين سرنا الليالي الطوال.. وحاربنا حتى يطلع الفجر، لتظل شمس الحرية فوق مؤاب. مؤاب التي سكنت روحي فسكنتها .. مؤاب التي ملكتني فملكتها... مؤاب عشيقتي وأنا فارسها. فمن شغاف القلب إلى شغافه، طيف مولدٍ، وامتداد عمر ومرابع أهل، وهوى قلب ضاقت عنه رحابة الكون، وصباحات مجد سياجها سُمُرُ العوالي، غَوثها الشهداء، جعفر، وزيد، وعبد الله، وعلي، وسيد، وقافلة تتعالى من غسان إلى هاشم.. وحماتها صيد.. خيلهم بضبحها ومثار نقعها ظِلّ أعاليها.

"قم في الجموع أبا عليٍّ، فالمدينة - صاغها الرحمن من غيم ومن شفقٍ، وصارت موئل الأحرار، رايتها شهيدٌ أو نبيّ، قم في الجموع، السّيد الغالي جناحك، ثم يكتمل النهوض فقد، أطلّ عليكما الغالي علي".. يقرأ في سفر مؤتة وثورة الكرك أن الكون يدين لجحافل الأبرار ومواكب الشهداء.. وإن سيفا واحدا من سيوف الله، فيها، يُسلُّ، يَكسي الروابي ويُلْبس الأرض ثوب الحق... فَتَغْزِلُ الشمس أشعتها ليَزُفَّها الصبحُ.. وقد غلت المهور بعزم رجالها. "وأنا أحدّق في المدى، وأسير في نفسي إليَّ، وألمُّ أزهار الرؤى، أغلى الحكايا، من وجوه صغارنا، إذ أشرقوا صبحاً عليّ، أوّاه يا ابن العم، جاؤوا، قد عرتهم لهفة للصاحِبَين الغائبين، وأوقدوا نار السّرى في جانحيّ...، فانهض، سنفديهم، وإن صرنا قرابين المدينة، سوف تمنحنا الرّضا، فانهض إلى عتبات، مجدك، في الزمان الوعر، رايتك الضحى، واجعل دم الأعداء وشماً في يديّ".

أَغدق بها عيون الماء.. لتغسل الحُرَّة ضفائرها.. أطلق المدى فيها ملاعب لأطفالها.. وناراً على أعدائها.. فأي مؤاب تلك التي ستنام وعلى خطى منها جحافل أعدائها..؟ أي مؤاب تلك التي ستغفو وقد ذاب لعاب الشمس فوق غمامها؟ ... وعوى ليل أعدائها!

إيه ميشع .. يا سيد السيف والرمح.. جلال التحايا لخيلك وكماتك وقد توجت في دوحة الخالدين.. ها هم "حراس أبواب المدينة، يطبقون على الجراح أكفّهم، ويطالعون الحرب في كفّ الزمان، والنار في أعلى الجبال: نذروها للموت، والدنيا ضباب أو دخان، لا ماء بعد اليوم في الوادي، فقد جف الصهيل، وضاق صدر الصّبر عنه والمكان، وغدا أراني والمنايا، ذابحات القلب لا عضد لديه ولا يدان، أبكيه ثم أراه يخرج من دماه طائران، وأصيح: يا علياء: نجماك قد صعدا إلى عليا الجنان، يا أيها الغادرون والآتون من برج الكرك، إني أرى حولي سواداً جاءنا قبل الأوان، وأرى العجاف السبع سبعيناً من العتمات والحسرات والنسيان".

هو الشيخ إبراهيم.. والد الذبيحين.. له العزائم والمَثَل.. فقد كان العربي ينذر أحد أبنائه إذا بلغوا العشرة عددا، وتتحدث قصة عبد المطلب جَدّ سيد الخلق عن افتداء ولده عبد الله بمائة من الإبل، إذ دارت عليه قداح النذر، وكذا قصة سيدنا إبراهيم الخليل وولده إسماعيل: “فلما بلغ معه السعي قال يا بني أني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما اسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، ففديناه بذبح عظيم “، فيقول رسولنا العظيم: “أنا ابن الذبيحين“ إشارة لهما.. فيا نار كوني بردا وسلاما على قلب إبراهيم.. وكوني بردا وسلاما على الذبيحين الشهيدين "سيد وعلي"..  قُربانَي العرض والأرض.

"ها وجه إبراهيم جلّله الندى والحزن، والنيران في المرج القريب: ابناي في كف المنايا، والمدى قفر فماذا ظل لك!! يأتيه حلمٌ من غيوم الروح: لا تحزن, فأن الدم حنّاء المدينة، كي تظلّ عزيزةً، فاصبر له لو أوجعك، النار موقدة غداً، والله يجعلها على الشهداء بردا، ثم يأخذ منك ما قد أودعك".

وها هي مؤاب .. وها هو ميشع .. حين وقف على قمة جبلها وخاطبها كانت الأرض ترقص تيهاً.. وكان الأردن أجمل ألحانها ... فاسترق السمع وهو يعلي الصوت: لن تنفعكم مرتفعاتكم، ولا أبراج النواطير، ولا مدنكم المحصنة، لن تنفعكم أنصابكم ولا سواريكم على هذه التلال أو تلك.. ولا أفاعي النحاس ولا التماثيل ولا ما توقدون لها.. فمؤاب لن تكون الخاصرة الضعيفة فهي السنان والقناة ... ولا قرار لتوابيتكم بعد اليوم ولا وصايا سبت..

"ستقاتلون، فليرتفع صوت الأذان، وتدق أجراس الكنائس، واكتبوا بالدم، في كفِّ المدينة: إننا باقون ولنقسم لها بالواحد الرحمن..، إني أرى زمناً عنيداً سوف يأتي، فلتنهضوا جمعا أبياً لا يُصدُّ ولا يُهان وأرى بعين الحلم قلعتنا، وفرسانا على شرفاتها، وأرى الفتى قدر، الذي يفترّ عنه العنفوان، يا قدر، عليا ومشخص وردتا دمنا، فكن زين الشباب وفارس الفرسان، النار موقدة فردوا الريح عن شيحان، وإذا أتاك الموت فاخرج غاضباً، واكتب على باب المدينة: نحن لا نخشى المنايا..." فمؤاب شوكة عيونكم وسوط جنوبكم ... فلا خراف ولا أكباش تؤديها لكم منذ اليوم تحالفوا مع من شئتم واضربوا بأعوادكم فسنظل هنا.. ولن تسعنا الدنيا بأركانها.. سنقف على التخوم قبل مطلع الشمس إلى مغيبها .. سنظل هنا وهناك حتى لو خان الماء لونه فأضحى أحمراً.. ودما قانياً.. "هذا نهار الرّوح، وهي تسيل في حدّ السيوف، ومهجتاي على مراقي السفح، يوم غدٍ وآه من غدٍ، ستصير حلماً أخضراً، الليل مئذنة مؤرّقة، ورهبان يرودون الكتابة، كي تظل مؤاب نجماً صابراً"

تَمثَّل خالد الكركي الموقف فاستحال شاعرا يرتل سفرا من أسفار القداسة الوطنية، ببواعث وجدانية مركبة، مسكونة بالتحفز والدهشة وشرف الانتساب. فالقصيدة عنده استحضار للذاكرة المكانية في القلعة، والذاكرة الزمنية للحراك الوطني المقاوم للمحتل، والذاكرة الجماعية الطافحة بالأنفاس الملحمية والبطولية، المكتنزة بالألم السامي النبيل، الذي تنسلخ عنه الذات لتنتسب للمكان والجماعة ولحظة الاقتراب من إحدى الحُسْنَيين.

"لا صوت في الوادي، سوى الراوي يحدث عن صلاح الدين، عن حرب الفرنجة، عن مواكب شجرة الدر التي، مدت مودتنا إلى مصر العزيزة، إذ رأت ما لا يرى، وعن الكرام، عن المضارب، قهوة الضيف، التي قد أثقلوها عنبرا، وعن الغناء يجيء مذبوحا بسيف العشق، عن أم المؤابيات/ وهي تضجّ من، وجع المدينة والغياب، وتصيح: يا إبراهيم: الكرك الحبيبة لا تباع، فأرضها صلى عليها ذو الجناحين الشهيد، وكبّرا".. فعلى المدى ما بين قلعتها ومؤتة صهوات وربى، وعِزُّ مفتدى، وشيوعُ هوىً، وراياتُ معتضد، فسلام عليك يا راية رسول الله، منهج نصرٍ لأمة تاقت لصهيل خيلها ولمع يمانيها.. فمن النهر وحتى سهول مؤتة كتائب نصر، وثارات دين، وسيوف سُلَّت، إذ حان المُفتدى بالصوارم، وقد شُرِّعَت لتلال الغيم، ولدماء الطيار.. حين شاد بعضديه صروح الأماني... وها هو "القاتل الغازي يريد مدينتي، وابناي في كفِّ الحِمام، يا أرجوان الدّم قُل: هذا أوان الشدّ، للخيل التي تشتاق رجع صهيلها عبر الغمام، النُّور والنوّار هم، وأراهم فرسان هذا الوقت في الكُرَبِ العظام، وأنا، هذا السكون يحزّ روحي، والمدى، والحلم أن يأتوا بعيدٌ لا يرام".

تأخذنا القصيدة إلى بديات القرن العشرين، إلى رسالة الشؤم بإمضاء إبراهيم باشا المهمش والقصي، إلى شيخ الكرك إبراهيم الضمور، الركن والعقيد، شيخ الديار الكركية: "استسلم أنت ورجالك.. سَلِّم الكرك.. وإلا أحرقت ولديك".. ويوثق شيخ المؤرخين روكس العزيزي القصة كما يرويها "إخوةُ عليا" الكركيين.. "والله ما طاطيت عمري ع الخنا".. ويرجع الكركي الصهيل: "غابوا، فلما جئت عادوا كلهم، وأراهم، لمّا أهزّ سريركِ، الْ أسكنتهُ ما مرّ من عمري البعيد، وحبِّ نسرين القريب، وأرى وجوههم، وقد طلع الصبا الريان فيها، من حبيبات الندى في وجهك الحلو الحبيب، وأرى صعودي في الخريف، إلى متاهات السُّرى، ومعي رفوف الحائمات على ينابيع الجنوب أهلي هم، وأميرتي أغلى صباياهم، وعليا، بنت هذا العشق، مذ كانت مؤاب تمور بالخصب المؤجل والحصاد المرّ، والرايات إذ تزهو على شيحان، كان هلالها صبحاً، وقهوتها دليل القلب للركبان، في الليل الذي يضفي مهابته، على كل المنازل والدروب"... هي رفيقة العمر عليا.. الخنساء الكركية.. أم علي وسيد.. كيف ستلقى مشؤوم الخبر؟.. "كل مصيبة هينة بعدك يا رسول الله".. تلقفت عليا رجع صهيل الخنساء.. وهي الصبورة.. عون إبراهيم في ملمته.. مرضعة علي وسيد من حليب الحرائر: لا أرضى ولا يَرْضَيان يا إبراهيم.. أَنُساوِمُ على الكرك والشرف.. على الأرض والعرض؟.. قل لإبراهيم المهمش: احرق الأفق فمن وَلدَيَّ السنا والضياء.. واسفح طاهر الدم ما طاب لك القتل.. فوالله لا تدخلون الكرك وفي العمر بقية.. "عليا التي دخلت مخاض الحزن، تنهض مثل نهر في متاهات الأفق، وترى البيوت، تطلّ من خلف الحراب، وفي لظاها تحترق، وترى الغزاة، فلا ترى أحداً، فقد ولّوا، فسيف مؤاب باسم الله من غضبٍ خُلِق، هذي صدوع الحزن هائلةٌ، ولكنّ المدينة، صانها الرحمن والفرسان، قد سلِمت، فكوني أمّنا، فالوعد يا عليا صدق".

يتجلى حضور القصيدة في حقيقة الحدث، والشخوص المرجعية، وتجربة المُتحدِّث، والتَّمَنْزُل الحميم للخطابين الشعري والتاريخي القارّين في وجدان المتلقي.. ففي قصيدة رجع الصهيل نقف مع الثوار فوق أبراج القلعة.. لا نرقب الحدث بل ننطوي ثواراً تحت إمرة إبراهيم الضمور... "هذا دمي، وردٌ... رمال، أو سنابل في حقول مؤاب، أنثرها على نجمين من غسّان، ناما في الفتوة والمروءة والسلاح".

وهناك فوق جبل النار ينهض قاسم الأحمد ثائرا في وجه إبراهيم باشا الغريب، رافضاً التبعية.. وضرائب الدَّنِيَّة.. وتقديم شباب الوطن وقودا لحروب الرجل المريض.. ولما أضحت الثورة والثوار هدف إبراهيم باشا ومرتزقته.. استجار قاسم ابن جبل النار بالكركيين.. فأجاروا شريكهم بالدم والثورة ومقاومة الغرباء.. ورفضوا تسليمه ولو كان الثمن اشتعال اللهب تحت أسوار القلعة وقودها الأغليين!

"قد أقسموا بالله علام الغيوب: إنّا أجرنا قاسما، والدم فوق كلامنا عهد، بأن مؤاب سيدة وزنبقة، وأن الشمس عنها لا تغيب".

وتربط القصيدة بحميمية طاغية بين المكان والشخوص، وتمنحها ذات القداسة والحضور، وقد جاء الخطاب الشعري بجملة متكآت ساد فيها المكان في الفعل والمنتج فتصدر عنونة القصيدة، إذ نتلمس من خلال النص الشعري أن رجع الصهيل الذي تاقت له الخيل لم يتأت إلا في أرجاء المكان؛ الأرض، مؤاب، المدينة، الكرك.

"عليا، أما من ساعة يبكي بها الصفصاف، في الوادي على الدم القتيل، أخشى على الأرض التصدّع، لو تضميني قبيل أذان روحي بالرحيل، أوّاه لو يأتي المنادي، صادقا فيما ينادي، موجعٌ قلبي وصوت مؤاب، في روحي يجول، أوّاه, لو يأتي المنادي: آه لو يلقي القميص، وتستفيق الرّوح: فالأعمى بصيرٌ والنجوم تطلّ في ليل السرّى، والخيل تعدو، والمدى رجع الصهيل"

فالشاعر لا يقف أمام المكان أو في حضرته ممارسا فعل القصيدة، ولم يكن ليلوي على ذلك، فهو يستحضر علياء وإبراهيم ليمجد اللحظة والفعل والروح المتعالية حد التوق للشهادة.. ويُكرِّس في حضرة المكان كينونة ذاته، وتضاريس الخطاب، ومفرداته، وهو النسق الحسي والبنائي والدلالي في القصيدة، وهو رحم القصيدة والافتداء والشهادة والحدث المرتبط بقيود الزمان وجغرافيا المكان، وهو ذاته الفكرة التي تنتمي للأرض التي احتبلت ببذور التكوين ترابا وشهداء وصيرورة.

بين المبدع والمتلقي في قصيدة رجع الصهيل موقف إنساني يذهب مذهب الخصوصية في دلالات الحدث في الثورة والمقاومة لجيوش إبراهيم باشا المعتدية، ومذهب التفاعل الإنساني لمشروعية الثورة على الظلم، والافتداء النبيل موقفا وجرحاً. فلم تخن الكلمة الشاعرة النص في منظومة القصيدة بدءاً من الفعل الماضي "غابوا" إلى قفل التناص في مقابسة النص الرثائي الشعبي، وفي تكثيف الحدث المتكئ على ثقافة عالية أغنت النص، فلا يفوت الجمل الشعرية حضور الرؤى المستوجبة للتحليل والإضاءة. ولأن "رجع الصهيل" قاموس الحدث والمكان والزمان المصاحب للشاعر، فقد وصل إلى المتلقي دون تأويل ولا ضبابية.. سوى حاجته إلى الحفر المعرفي في القصيدة، واستجلاء فضاءات التاريخ الوطني الساكن فيها.

 

وبعد.. فقصيدة "رجع الصهيل" مستهل ديوان صدر هذا العام عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في مائة وتسع صفحات، وتعنون بقصيدته الأولى، ضاماً بين دفتيه تسع قصائد لخالد الكركي ولوحات جرافيكية تدنو من الأربعين للفنان يوسف الصرايرة.. وقد آثرت تناول "رجع الصهيل" حفراً وجدانياً ومعرفياً محاولا الاقتراب من الجهد المبدع الخلاق الذي ارتقى فيه الكركي عتبةً فوقَ عتبات تجلياته.