|
|
| حكمة الاسبوع |
|---|
| تأويل الكلام |
|
|
|
"تأويل الكلام" لغسان عبد الخالق أ.د سلطان المعاني
مائة وثمان وأربعون صفحة من القطع المتوسط هنَّ قوام مشتمل وخمسة فصول أراد لها كاتبها أن تشكل "قنطرة بين الشعر والشاعر"، فالمؤلف على ما هو عليه من النظرة الفلسفية المعمقة للأشياء، والنظرة الثقافية والنقدية الثاقبة للأدب وفنونه، علاوة على معرفته "الشخصية الوطيدة بكل الشعراء الذين تم دراستهم (باستثناء عرار)" قد استطاع نبش مواطن العاطفة والشفافية فيما تناول من تجارب شعرية معاصرة. وأحسب أن الإخراج، بدءا بصفحة الغلاف، ولون الورق الداخلي، وحجمه، يغري بالمضي في قراءة هذا الكتاب، الذي نشرته دار أزمنة في عمان في النصف الأول من هذا العام. فقد جاءت فصول الكتاب الخمسة نتاج دراسات نقدية معمقة قدمها المؤلف بين عامي 1996م و1998م في مهرجانات وحلقات نقدية خاصة، تناولت تجربة صاحب كل فصل من فصول الكتاب. فقد أطَّوف المؤلف فيها بين أعمال الدراسات النقدية المرافقة لمهرجان جرش، وجامعة النجاح بمدينة نابلس، وأروقة منتدى شومان، وملتقى عمان الثقافي.
لا يستقيم الكلام على الشعر دونما تأويل، فتأويل الكلام فضاءات الشاعر والقارئ التي يتجاوز فيها حدود الدلالة والاشتقاق، ويتحرر من قاموسية المفردة وبلاغة السردية، وليحلق في معاني وعوالم لا تقبض عليها المفردات، فتظل متحررة من التشكل، ومصادرة الحلم في مقاربة الكلام من الروح والشفافية التي ننشد، فتأويل الكلام يخلص الكلمات من حروفها ومعجمياتها لتنسحب رشاقة ريشة فنان على لوحة قرأها ذاته آلاف المرات وقرأناها بعددنا. تأويل النص الشعري يخلق عالما حالما جميلا لا حدود له، يضيف له الناقد، والقارئ هاهنا ناقد أيضا، مدىً برحابة الوجدان البشري، وتوقه الجامح والأبدي للحرية، فالتأويل يمحنا معول تحطيم تخوم القوالب والمفردات. وتأويل الكلام الشعري لا يشكل، بالضرورة، ثنوية ضدية مع موضوعية النقد، وإنما هو محاولة لتفكيك العالم النصي وإعادة تشكيله على شاكلتنا أو وفق ما نتمنى، وهو إغواء بمعاودة القراءة، وتناول النص بحشدٍ اكتنازيٍ تأويليٍ وبمحض إرادتنا. وقد نوّه غسان عبد الخالق في الفصل الأول "صيانة الحنين" إلى تأطير معنى "تأويل الكلام" في تفسير ظاهرة الحنين عند مقاربته بين المهجريات والحنين إلى الوطن عند غير باحث، وما حلا للبعض في تفسير أشعار شعراء المهجر في تغليب اللاقصدية المباشرة في الاغتراب المكاني إلى البحث عن الذات في اغترابها النفسي، الذي تنشد فيه عوالم حالمة، وأوطان آمنة مفترضة، واستحالة استحضار تواريخ ميلاد جديدة، فيتشبث عبثا بتلابيب الطفولة التي غالبها اشتعال المشيب. أن تأويل الكلام، حوم حول الحقيقة، أو هو شكلها الآخر الذي نقولب، دون مغالبة النفس في الخروج عن نطاقها، ففي الحنين القسري للوطن عند المهجريين الأوائل بحث عن وطن بعدما غلبهم استبداد الحكم التركي، فبحثوا عن هذا الوطن في الأمريكيتين، فجاء حنينهم له قسريا حارا جارفا من خلال أشعارهم وأدبياتهم، فكان تشكل الوطن عندهم "عبر الابتعاد عنه". ويربط عبد الخالق بين الشعر العربي القديم وإحساسه بالذاكرة المكانية الفياضة بالحنين وبين الصحراء، فـ "كلما اتسم الفضاء المكاني بالاتساع والخواء والقابلية للتحول كان الحنين أكثر توترا وعنفا، لأن هذا الحنين .. موجه للإنسان ذاته .. وللزمن الذي أظل هذا الشاعر وأظل قرينه"، وقد تنصل العربي من المدينة التي تحاول تدمير الحنين، وهو الذي يبحث عن صيانته، فيربط في مفارقة ملفتة بين الحنين وظاهرة الترحال في طلب العلم عند الفقهاء والمحدثين، كما يسوق المؤلف غير موقف من مواقف العرب تجاه صيانة الحنين وتكريسه في الاغتراب عن المكان، الوطن، ليبحث عن سبل رحلة العودة إليه، وهو متكأ ضخم وظفّه عبد الوهاب البياتي في تجربته الشعرية، كما يوضحها الفصل الأول من الكتاب عند الحديث عن تجربة البياتي في مهجره الاسباني. لم تعف ظروف الزمان والمكان العربي من نبش الذاكرة المكانية و "استنقاح" جرح الاغتراب عن الوطن ، فبغداد في أشعار البياتي مركز الحنين، وهي المكان الوطن، وهي الزمان الطفولة، وهي حالة استمراء للنوستالجيا العربية وتفريخ لا شعوري لظاهرة البكائيات "الفراقيات" مع اختلاف المقصد. ويرى عبد الخالق، ونرى معه، انثيال الحزن عند البياتي حيث يستذكر بغداد، فالشاعر مرتبك رغم تشبثه في مدينة الطفولة، ولكن صورتها مشوشة لا يستجلي صورتها بوضوح، والأنكى إحساسه بابتعاد المسافة بينه وبين بغداد كلما مضت به السنون، فالبياتي إذ يبتعد عن بغداد لألف سبب بقي يمتثل حنين العربي وقدسية الوطن في وجدانه، وهي سمة تلازم الرجولة عند الشرقيين، فقديما قالت العرب: إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه. وبأسلوب قصدي مباشر يبتعد عن تأويل الكلام يسوق غسان عبد الخالق دوافع البياتي لاختيار اسبانيا مهجرا طوعيا، سوغت اختياره مقومات التكوين الثقافي عند البياتي والتي استقت من أدبيات سرفنتس ولوركا، والشعور بالمقاربة التاريخية والحضارية بين بغداد والأندلس. ديوان "بستان عائشة" مادة عبد الخالق الصراح في الإفصاح عن صيانة الحنين عند عبد الوهاب البياتي، وقد قارب بينه وبين أبي تمام في معادلته المتصالحة بين الحنين للوطن حيث كل شيء أول وبين استحضار ذلك الحنين في كل الأماكن التي تؤوينا فتتمثل في الوطن الأم والحبيب الأول. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل وفي ندوة "حياة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان وشعرها"، يُحكم الناقد غسان عبد الخالق الطوق على النماذج التراثية والنزعة الوجودية في سيرة فدوى طوقان الذاتية في الفصل الثاني من كتابه "تأويل الكلام". وفي اللاتأويل لعنوان كتاب السيرة الذاتية للراحلة فدوى طوقان "رحلة جبلية .. رحلة صعبة" تستعد الشاعرة طوقان لنبش ذكرياتها الصعبة والشاقة بأسلوب شفاف وأسلوب أدبي غني بالشعرية والنثرية عالية المستوى، فذاكرة الطفولة لا تستنفر فيها إلا التهميش واللاشيئية كما يروق لها أن تصف حالها. ويعلو إيقاع السيرة الذاتية لفدوى طوقان على منحيين ذاتي يعكس تجربة شخصية ووطني يعكس معاناة الشعب الفلسطيني في مقاومته الاحتلال، واجتراع مر الهزيمة التي حلت بالعرب عام 1967م والتي أضاعت الحلم عند فدوى على جانبية الشخصي والوطني، وقد رأى عبد الخالق أن فدوى طوقان كانت تستحضر بإلحاح الموروث التراثي، بنماذجه التي عكست الجارية دنانير وابن الرومي والمعري، علاوة على صعود النبرة الوجودية المنحازة سلبا بديلا عن إيقاع التفاؤل والاقتدار على تعاطي الشخصي والعام. بين القرن العشرين ودنانير مئات السنين، وبين فدوى طوقان وهارون الرشيد ذات الفترة الزمنية، ورغم ذلك فلم تجد فدوى مندوحة من نشر أشعارها الغزلية في مجلتي الرسالة والأمالي إلا بتوقيع قصائدها باسم دنانير جارية حيى البرمكي، وهذا متكأ خطير يعكس ذكورية المجتمع العربي في القرن العشرين ومساحة التسامح التي كانت تمنح للمرأة في العصر العباسي. ويحشد هذا الفصل مقابلات رمزية بين دنانير وعالمها وفدوى طوقان ومحيطها. ويعنون غسان عبد الخالق لجانب من سيرة فدوى طوقان ذلك النموذج المنكوب والمفجوع والمتوحد بمتعة الألم. وقد بدا هذا جليا فترة مرض شقيقها إبراهيم وتعلقها بقصائد ابن الرومي، وما نظم في رثاء ابنه الأوسط، وقد احتشدت فدوى أيما احتشاد للمأساة المنتظرة في وفاة إبراهيم طوقان: يا رب أدرك بقايا شعلة همدت قد كاد يطمس شكي نور إيماني إن كنت موقدها فابعث لها مدداأو كنت مطفئها فاغفر لنكراني لكن فدوى طوقان لم تفقد ذاتها ولا يقينها ولا إيمانها بوطنها وضرورة النهوض وركوب موجة التحدي والتمرد على واقع الاستكانة والاحتلال. ولا يحتاج المتلقي كبير عنا في قراءة الفصل الثالث من عنوانه، فالمؤوِّل هنا يتخير نواسية أبي نواس "دع عنك لومي" ترويسة ومفتاح فصل "دوافع التجربة الشعرية عند عرار"، فعرار عنده إعادة بعث لرؤية البدوي الملثم؛ إذ يعده رائد الشعر الحديث في الأردن، ويرياه فوق ذلك الشاعر المتمرد القلق الفوضوي. ويعرض الفصل لحياة عرار بجوانبها المختلفة على عجل وبشكل مكثف، لتفضي بنا الصفحات إلى عنوان فرعي وهو "بين عرار وأبي نواس"، وهي التفاتة جريئة رائدة تعد لغسان عبد الخالق ليخالف جمهرة الدارسين في المقابلة بين عرار وعمر الخيام. لقد جاءت المقاربة بين الشاعرين أبي نواس وعرار خَلْقِيّة وخُلُقية وشعرية، فكلاهما يرسل شَعْرَه على اكتفين، ويلفظ الراء غينا لثغاً، وكلاهما نأى بنفسه بعيدا عن أسرته هربا من أمه، وقد ولع شاعرانا بالجن والشياطين، وأفرطا في شرب الخمر، وذكرها والمجاهرة بمعاقرتها، وكلاهما توفي في الخمسين من العمر لفرط الشرب، وقد اقترب كلاهما من السلطان مرة ونأى مرارا. وقد سلط مؤلف الكتاب وبشكل مكثف الضوء على بعض أشعار شاعرينا في الخمريات ليوصل عبرها مفادة أن أبا نواس " هو الشخصية المركزية الثاوية في أعماق عرار". كيف كان؟ وكيف أصبح؟ و"إزاحة الأب" مداخل ومتكآت ساقها غسان عبد الخالق ليظل بين أمرين أحلاهما مرًّ، ليسوِّغ درس ما بين عرار وحبيب الزيودي. والإزاحة بمفهومها العام اقتراب من الشعرية والنأي بالمفردة من قاموسيتها إلى رؤياها، وإزاحة الأب التي يراها عبد الخالق هي ذات الفعل الإزاحي، ولكن للشاعر الأب أو الشاعر المثل، وهو مرمى الكلم بين عرار الأب والزيودي الذي يؤسس لشرعية الإزاحة بديوانين شعريين، وقد عَبَرَ بهما غسان عبد الخالق عِبر مقدمتي الديوانيين ومقدميهما خالد الكركي وإبراهيم العجلوني، ليصل إلى الرغبة المحمومة عند الشاعر لإزاحة صاحبة، أو الابن الذي يجمح به الطموح لإزاحة الأب بحثا عن أناه. ولا تتأتى الإزاحة إلا إذا رَكِبَتْ موج الغموض، فحبيب الزيودي لا يملك إلا ركوب بحر الأماني في اغتنام الفرص ليفرض أناه، كأن يستغل مناسبة مئوية عرار "لتمويه رغبته في القيام بكشف حساب يتوق للقيام به كل شاعر حقيقي ..". وقد رأيت أن أتعاطى فصول الكتاب الأربع الأول دون الخامس والذي يتناول شعرية وشعراء جماعة أجراس، مفردا له قراءة خاصة لطوله على خلاف بقية الفصول، ولتفرد أسلوب تناوله تأويل الكلام عن بقية فصول الكتاب الأربع الأول.
|

