تكريس التحولات طباعة أرسل إلى صديق

تكريس التحولات

"كما يليقُ بطيرٍ طائش" لموسى حوامدة

ا.د سلطان المعاني

ينفلت النص من صاحبه كيفما شاء.. ويوهمه بأن حريته سقفها السماء في قولبته منطوقا ومكتوبا كيفما شاء أيضاً. هي خدعة إذن، أن يستحيل الشاعر ناثراً والناثر شاعراً في أدوار تقابلية.. إنه النص ينظم إيقاع صاحبه.. وينبش في حقول الكلام والإبداع عنده. فإذا كانت الكتابة في مبتداها بناء فإن اكتمال النص فيها إعلان لهدم القوالب.. تتناثر فيه أدوات المبدع في "فوضى خلاقة".. وفرادة ينحاز بها إلى ركنه الذي ارتُضي له وارتضى، فتقرأه قصيدة أو نصاً نثرياً أو مقالة صحفية، وربما لوحة فنيةً.. ونراه في كل منها بذات الوضوح، وإن تجمّل برداءات حلا له فيها أن يرينا طغيان حضوره في أطيافه السبع. إن النص النثري ارتحال سلس مع الفكرة والكلمات.. ولكنه ذات الحضور الوجداني في النص الشعري.. ربما يتخفف المبدع في نفيره من الرمزي ولكنه يتجشم الولوج إلى عالم التاريخي والثقافي والحضاري.. ولعله منجاته ساعتها من الذاتية في قولبة النص شعراً. وفي نصه النثري الأول الذي يعنون به موسى حومدة كتابه عناوين محطات الطيش والرحيل والفقدان، موت الأب والأم والبعد عن الوطن، والراحة والأمان في انتظار مرير لقرار صعب.. والنهب المسيج بالسلاح للموروث الحضاري وآلاف السنين من البناء الإنساني المتعالي مدا بشرياً في اختراع الكتابة وابداع الزراعة.. ثم ذلك الهم الجاثم فوق الصدر لما يجري من بطش في الخليل ورفح وكل فلسطين.   ويتزنر نص "إلهي أعرني منك لي" بصوفية الضراعة والتبتل.. وكأنما دخل صاحبة في حالة وجد صوفية.. أراد فيها إن يضيف فصلاً جديدا لما فُقِد من طواسين الحلاج و "ترجمان الأشواق" لابن العربي.. وهو رهان، على أية حال، في درجة الاقتراب المتجردة عند المبدع من الله، فهو قريب لا يحده طقس.. أو زمان أو مكان.. تقترب المفردات في دعاء التوبة من العتبات المقدسة, يمسك صاحبها بتلابيبها.. يزاحم التائبين في الوصول إليها هي الملاذ والمرتجى ومحط الرحال "إلهي.. لَمْ تتخل عني.. لم تبتعد عني.. إلهي لبيت دعائي.. سترت غروري.. صنعت نعيمي... إلهي أعرني طفلاً كنته يمشي إلى صلاة العِشاء.. يا خالقَ الغفلة والغافلين، وخالقي .. أقتربُ منكَ..أريد أن أمسِّد غيومَك براحة الإيمان، أبلِّلَ شفتي بماء الخشوع.."

إن أجمل ما في المرء أن يدع لذاته الانفلات من عقالها تصارعا بين الأضداد لتستشهد بما خبرت على وقائع الخير والشر حيث تعاطتهما أو وقفت حيالهما على الحياد.. والأخيرة أبعد ما تكون عن المبدع، فهو في أس المسائل دوما، يقف على رأسها.. يكون بطل قصتها، أو يصنع لها واحداً على شاكلته، يمارس فيه صفة الإحلال.. فأن انتصر اعتمر أكاليل الغار، وإن انكسر أسقط انكسارة عليه.. ليبقى واقفا متحفزاً لتجربة أخرى. ويتغشى المبدع نفسٌ رومانسي فيه تجلٍ صوفي يقبل التأويل على تقلباته، فيه مباشرة أحيانا، وحوم حول الأشياء تهويما أحيانا أخرى.. وليس ثمة رهان على أسبقية أحدهما على الأخر في الموقف، ولكنه الرهان على حالة الإبداع الحقيقي الذي يمضي صاعداً.. أخاذاً.. آسراً.. "اقتربُ منكَ، كما تقتربُ السماءُ من زرقتِها.. العابدُ من معشوقه.. كنتُ أتوهمُ أن الخُطى سهلة، وأن الإياب سَلِسٌ عادي.. وما فطنتُ أن أنسى نفسي لديك، وأعود بخفين فارغين، وهيكل بلا روح.. أُزجي الجَسَدَ للنشوة، أُبدِّدُ سديمَ العقل..  أعزفُ بَيَات اللين.. يقيني ليس صلباً، لكن قلبي هشٌ طري.. تَجَمَّلتُ بك، فلا تَسْتُر ظنوني عن جميل صنيعك، ولا تبرح جروحي مُقَرحَّة تنزف.. وأمشي إليك لا خوفاً ولا طمعاً، ولكن حباً لذاتك، وصفاتك، وتجليك فوق الصنائع والحقائق والأزمان." فأنا الذي أحبك حب العدوية.. حُبّين.. حبّ الهوى.. وحبّا لأنك أهل لذاك. هي ابتهالات إذن.. إعلان للتوبة وفق منطق المتوقع في النص الإبداعي.. رغم وضوحه الصراح.. وصفائه وبساطته.. وعمق معانيه.. "لا تفارقني وإن نكصتُ، لا تحرمني وإن كبوت، لا تقطعني منك وإن تعثرت، لا تتركني يتيماً، وإن عَقَقْتُ وعصيت! ألله يا ألله؛ من للوحشة يبري أقلامَها، ويصقل أوراقَها، ليكتب المتوحشُ سيرةَ الجزع، ومن للعبث يُسرجُ خيلَه، إن لم نستمرئ المستنقعات، ونحن أحوجُ بفضلك للقمم والشرفات. ألله يا ألله؛ أُسْتُرْ غروري من غيرك، وغيي عن غيبتكَ، إنزعْ رَشَأي من جُعبة السهو، غزلاني من برية النسيان، طيشي من حدائق النزق، سيفي من يد النعاس. أُسْترْ جنايتي من سخطك، ولعي من غضبك، ولا تحرمني بساط الرحمة، في كل اكتمال ومآل." للكلمة، كما للتعبير، في "كما يليق بطير طائش" سيمياء وكيمياء خاصين.. ينحيان بهما نحو الأدب الصوفي، بمعنى أن ثابتاً واحداً لم يتزعزع في يقين المبدع يوماً، وهو الاقتراب من الله.. والوجد اللامتناهي توقا ومحبة وزلفى لذاته المتجلية تساميا فوق الأشياء والتمظهر.. فموسى حوامده في تعبيره النصي النثري الجميل يختزل الجملة ويكثفها ويملاؤها ضراعة في سكن وجداني عالٍ.. ولا ينتظر مع كل التحولات المادية والذهنية والنفسية والحيرة سوى الوصل مع مظاهر العظمة الإلهية والبهاء المطلق الذي يكسو الكون بهالته النورانية. وفي "دلني أيها الصوفي" تحلق الروح في عالم وجداني.. تطغى عليه عناصر ذاتية قوامها حس باطني تواق للأمان والسعادة والتطهر والإشراق.. تظهر في الحاح سؤال منكسر.. " دُلَّني أيها الصوفي، دُلَّني على محراب الخشوع، دُلَّني على نافذة اليقين.. رَطِّب جَفاف الأفق بنعيم أورادك.. خذني إلى أسرار سرِّك.. لا تمنع عني نور التلاشي، في معيَّة المريدين، وحضرة العشاق الذائبين الذاهلين..". وتقبض بعض مفاصل هذه النصوص الشعرية على استغراق تأملي ما ورائي، وانكفاءة على الذات تدنو كثيراً من الهلع والفجائعية فينقبض المبدع نكوصاً في حالة اشبه ما تقترب من الانسحاب، غير أن النص يحافظ على إطاره إبداعاً يطفح شاعرية بالمعنيين الجمالي والذاتي. ولسوف يبقى النص متكأ التواصل بين طرفي المسألة؛ المبدع والمتلقي، يلوح بالاحتجاج والعصيان تحسباً لما قد يبدو حقيقياً (عما قريب)! فهو لا يستأذن اللغة، بل يسعى إلى الخلاص والاعتراف ولو على هوامش المتون.. وكثيرا ما دمرت الهوامش متونها التي عُلِّقَت عليها حواشياً، فتتساءل هل ينبغي على المبدع إحراق ما كتب حيثما تجلى الضعف الإنساني؟ "سوف أتدرب على القطيعة، يخونني الندى، ولا أضمن انهمار المطر.. كنتُ توكأت على غيمة.. فانحسرت الغيمة، انحسرت الراحة.. أجدُ كآبتي في حسن ظني دائما.. أنتحي ركناً معزولاً.. أعرفُ أن الوصول للنسيان نسيان آخر.. أسلكُ طريقاً محايداً، مختلفاً.. أو سَقَطَ من نيزك، احترقَ قبل أن تهبط ذراتُه على اليابسة، تُشكِّل دَرباً للحيرة.." وبأسلوب تقريعي يردف: " تُهْ في طريقك الآن، وإن توقفت الخطوات والدروب، وإن سكنت الطرق والشعاب، وهجعت الأرض، واصلْ سيرَك وضياعك، فأنت زائل إلى مكان لم يخلق بعد". تبتعد بعض النصوص إذن عن مثالية الأشياء ووجودها المسطح، تبحث عن وجهها الآخر في رحلة تعب تنخرها حيرة البحث واللهاث وراء أسئلة الاستحاله.. لا من يأس بل مواجهة لها بمدرك محدودية الطاقة البشرية وبنبالة الفارس ساعة نُبله الأخير.. أعزلاً.. حيث لا نبال تتكسر على النبال: "وبعدُ يا صديقي الذي فيَّ، ويا مدينتي التي أتخيل، ويا وطني المصلوب، فوق كَتفيَّ، تَرجَّل، فقد تعبنا، ولم نصل للشاطئ، ولم ترافق خطواتِنا المغنياتُ، وحاملات الحناء والبخور والصندل، تَرجل فلم يعد بمقدوري حملَك أو إتباعك، ولم يعد واحدُنا، يدلُّ الآخرَ، على النبع الذي جفَّ، أو على جهة الرحيل التالية." غير أن هذه النصوص المنثورة لا تساوم على الدفقة الشعرية.. ولا على الموقف الذي ينفض الغبار عن التقهقر والخراب مفتضحاً إياه.. حاثا على النهوض نحو الحياة، فرغم إرث الفقد والحرمان والضياع الذي رافق درب صاحبه فقد ترك هامشا موازيا يُعْلِنُ الحياة. "سأجعلُ من حافةِ اليأسِ شرفةً للنجاة.. لنقر بالهزيمة، كي تتكسر العصيُّ مجتمعةً، لنحملَ خريطةَ اليأس، ونرمي بها في بحيرة الفناء... ليس كثيراً أن نقرَّ للريح، باستحالة دحر الهوام، والحشرات والعناكب، وكل أصناف الديدان والقوارض." تحاول بعض النصوص مساومتك على فكرة الغياب والتلاشي والنهاية التي لا بواكي لك فيها.. وتنهض بك أخرى واخزة إياك بمحجنها؛ أن قم لقد أفسدت علينا حياتنا.. حيث تتناوب نصوص العناوين على تحولات مستوعبة.. لكنها مفخخة بالترميز تارة وبالواقعية تارة أخرى وبشطحات مريدية في حالة تماهٍ صوفية في ثالثة.. وقد تقمصت الشاعرَ حالتا التواصل بثاً وتلقياً، وكأنما كتب ما تمنى أن يُقرأ عليه تغليباً على إرث يتركه للناس.. ولعله تلاه على نفسه حوارَ الأنا على وجوهها.. فلم تخرج إلى الآخر بمفهوم المقابل، فالمبدع لم يعتمر قلنسوة الفارس، ولا كوفية الواعظ.. فقد بقي شاعراً لا يأبه بالمواسم والاحتفالات، ولا بمواعيد المربد وعكاظ.

النصوص حالات تأملية عميقة تجاه الكون وكنه الحياة والتفاعل مع الطبيعة بكل مكوناتها، في تعاقب الفصول وتبدل الأحوال ومواقف الإنسان.. "لن يتعلم أحد، من سوء نية الزمن والمخفي القادم، وَبَدَلَ أن يتخلص الناسُ، من حقدهم، وكراهيتهم للآخرين، ومقتهم لبعضهم البعض، يتمسكون برغبتهم في فرض لونهم ولغتهم وثقافتهم وعقائدهم، وحتى أسماء أبطالهم، وحكاياتهم، وبطولاتهم، وفرسانهم، وحِكَمهم، وقيمهم، على العالم بأسره، يريدونُ إلغاءَ الآخر، السيطرةَ على أرضه وتاريخه، والوقوف على جثته".. هي رؤية إنسانية تجاه المفارقات والثنيويات من جانب والتلقائية والبساطة من جانب آخر. وهي إصغاء بتولي للروح والأحاسيس تترجم كلمات على الورق لتقبض على لحظة الدهشة والتطرف والألم والانسجام.. "لن يتوقَف الزمنُ عند بداية الرزنامة، لن تتشبث الكرة الأرضية بهذا النهار، سوف تمضي في دورانها وحركتها، دون أن تلتفت لأوهام البقاء... لن تستجيب صانعات الثواني، محركاتُ الخلايا، للراغبين في احتساء الزمن، بشراهة لا تنضب، طمعاً في البقاء على قيد الصحة، لكن جلجامش لم ينلْ مراده..."

النصوص نبض الدهر وجبروته.. وتقلباته بين سخط ورضا.. مفرداتها قرابين الحاضر ومراثي الغياب.. "المدينةُ عادتْ، لموتِها السريري... المسافاتُ صارتْ بعيدةً،  بينما أسفي، غابةٌ تنمو، تعلو فيها أشجار الأسى، ثمارها مرةٌ، وحنظلها سيد عتيد، وهنا، يقبع في صدري، حزنٌ مثخن بالغياب... المفازاتُ اتسعت" .. ثمة تلال من الغياب المفجع قممها الأب والأم والوطن والتراث.. "بأيِّ كلماتٍ أخاطبكِ، وقد نفدت كلُّها.. ما عدتُ أطيق كلمات الرثاء، وأنا أحسُّ أن حرارة الفقد تلسعني، تلفح صدري، ما عدت أملك تعازي أقدمها، في محراب اللغة، وهشاشة المعنى، وأيُّ ريح تحمل سفينة الأسى، وقد غرقت في مياه النحيب، كلماتُنا المبللة، بندى شباط المتهاطل، من عين الغيوم المتهالكة على وجه الطبيعة؟".. في هذه النصوص تكثيف للحظة في إيقاعها الحتمي وتعاقب الرحمات واللعنات وتداخلهما.. فكثيرون هم من أطرتهم شآبيب الرحمة في غيرما موقع من الكتاب.. وكثيرة هي المواقف التي استوجبت اللعنات.. الموقف المأزوم والمهزوم والهلامي .. غياب المسؤولية.. اختلاف النسب.. وانتفاخ الرويبضة.

إن النصوص النثرية مساحات أوسع لبساطة التعبير، ومعاول أنكى في نبش الشعور، وإغواءات لفظية تصطف صورا واحدة إلى جانب سابقتها في تراتب يمنح الوصل في التأويلات والاحتمالات والمفارقات بعذوبة واستمراء.. سيما في النص المسكوب ذهباً ولجيناً، المعطل عن الشوائب والزوائد والقشور.. المترائي لماعاً يخطف البصر وينسج خلجات الأعماق. "قلتُ لكِ مرةً؛ أنت أولُ حروبي، وآخر معاركي... أنت أولُ الأشياء والألوان والأفكار واللحظات... أنتِ أعظمُ هِبات الخالقِ لي... أنت غابتي البرية... وجهُكِ رفيقي ساعات الشدة، مرشدي لحظة الأعاصير... يداكِ جديلتا كرمة، شلالا نبيذ... صوتُكِ رنينُ المدى في قاع أذنيَّ... صليل الحنين العتيق في كهف روحي... كلُّ ما فيك، يكفي لأقيمَ علاقةَ حبٍ معه... أنتِ اكتمال الوشائج بين الروح والغيب... أنتِ اقتراب العفة من رونقها... أنت نضوج العِبرة والعبارة، كمال التعبير، بلاغة النطق، سلاسة النشيد، طلاوة الألحان، سحر الأغاني والمواويل، بلاهة الإنشداه."

يليق بأيلول أن يرتقي مرتبة "شهر الشهور".. فهو مختلف عما يتراءى للناس.. يبصره الشاعر في "يسمونه أيلول.. واسميه الذهب" خلاباً.. يعاكس فطرة الأشياء فيما يبث الجسم المُبصَرُ مادة الإبصار.. فترسل جمهر المشاعر الجوانية متخيله الجذاب.. فيعدد ما يرى سواء أغمض عينيه أو سربلهما مع الضوء "لأيلولَ طعمٌ مختلف.. هذا هو شهر الشهور الذي أُحب.. يسمونه الأصفر، وأسميه الذهب.. إليك يا أيلول أمدُّ يَديَّ... أبسطهما فوق وجهك الوسيم.. أداعبُ جبينك.. أقبِّلُ محياك".أي ذائقة تلك التي  تصوغ هذا اللون من فنون الإبداع وأيها التي تستقبل؟ سؤال لا بد من عنونته حال الشروع في استحضار النص، لأن آفته الاستسهال، الذي يضفي إلى الابتذال، فالنص النثري الشاعر مكثف وقصير، جملة جامحة، دهشة اللسعة بفجائيتها، والنسمة في انسحابها، فهي حيوات الإخصاب.. وشارة البدايات، وأحسب أن في نصوص موسى حوامدة وعياً جمالياً حقيقياً، ويخال لي فيه أن نهوضاً في جانب واعٍ مدرك، أو غير واعٍ يسبح في مساحة إبداعية ما، جال فيها المبدع في عوالم الحب والطبيعة والكون والمتناقضات.. فكانت صولته حاضرة في المفردات والجمل والعناوين والدفق السردي، واثق الخطى في سباق يقتضي إيقاعاً ثابتاً وتوازناً نفسياً وذهنياً ودربةً على وصلات الوجد الصوفي الشفيف.