|
|
| حكمة الاسبوع |
|---|
| كأنك طائر الفنيق |
|
|
|
كأنك طائر الفينيق، توزع ريشك في الأرض عبدالله رضوان في "مراثي البهلول" أ.د. سلطان المعاني من عنونة ديوان "مراثي البهول" للشاعر عبدالله رضوان- الذي صدر سنة ألفين وسبعة عن دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع في مئة وإحدى عشرة صفحة متوسطة الحجم- يخيم فضاء حزين يقتضي الرثاء وحشد من أسئلة الحيرة ".. وسؤال حرون، هل كنت يوما أنا، أم ترى سأكون، أم تراني سواي" واقتراب خطى النهايات "خطوة عند حد الجنون.. خطوة في براري أساي... وجع في مرايا الطريق، الطريق الذي سرته كالغريق... طريق الخطايا الطويل الطويل، طريق العويل". وفي طقسية طيفها سبايا الشهوة في معابد أثينا تأتي قصيدة "بهاء مموسق لبهلول"، يتسلل الشاعر فيها من عالم الحزن الجارف إلى "جسد النار" مبتدأ القصيدة الوعدُ.. حيث الاستدارة وما ينبغي له الطواف حولها تبتلا، وعليها حدباً وتحناناً وشهوة. وفي هذا الفضاء تسكن القصيدة المفردات الواشية: البكر، أفضُّ، أفكفك أزرارها، نهداك نار، التي تحيل تجربة القصيدة إلى حواشي وتعليقات التحليل النفسي الفرويدي في حميمية التلاقي الوجداني حزنا وحبا وشهوة، فالشاعر على قلق.. فما جاءت مفاعيله عوزا لتقفية أو وزن، بل لملمة لتصدع وتشظي.. وكسوة لفضاء المكان والزمان بمساحات تنتظر ترميم الكلمات المسكونة بالظنون.. ينبري لها الشاعر بهسيس الغوايات في تمرحلات اشتقاق الفعل اسما لفاعل فعول ينهض بصيغة الاستفعال. وفي الفضاء المعجمي فإن البهول المنسوبة إليه المراثي يعلن اكتمال هزائمه، وعويل المنافي حيث ينفى، ويكرس طقوس الهزائم لتصبح الانيهارات رنكه في وجع الناي والضلالات وجراحات النهار.. فهو البهلول الذي يعانده الضحك وقد كان ضحّاكاً، والغارق بالخرافات في الكواكب الشرود فلم يعد عزيزاً يجتمع حوله كل خير.. بل المُعَنّى الذي يمضي هَمَلاً.. بلا عتبات ديار.. في دروب العدم.. وقد ورطه قلبه الحائر بين الحياء والكرم في دلالة اللفظة وبين هسيس الغوايات.. "... "كنعان" ... يا لعنة عصفت بغبوق المحبة في مرمر البيت، لا بيت في البيت لا أسرة خارج الوطن المستباح... وأسأل أينك، يا فارع الوجد، يا منجز الوعد؟!... إذن: ليس لي غير ذاتي، وجنون ارتيابي، أنا ضد ذاتي، وضد أناتي" لم تنبئ قصائد الديوان باحتمالية التصالح بين البهلول والعالم، ولم تترك للافق مدىً يراهن عليه، ويناور على شرط المسافة فيه، هو اللانسجام بين عبثية الانتساب إلى الديار، وطيش سهم صيد الظباء، ولعنة الإنحناء، وعبودية محتمة باكتمال طوق الهزائم التي ترتسم في الدرب، تقفز من قصيدة إلى أخرى، لا يهمها طقوس هزائم بهلول أو ضلالاته فبهلول أسير الغربة التي تشعل "الفجيعة في المطلق الصعب..". "رأيت هزائمي اكتملت... حتى اشتعال الغواية بالأبيض الموت... فماذا تغير؟ هذا الخراب العظيم يبرعم بابي... فما زال ظلي ينوح علي أفق من غياب القطا في اللغات... واصنع صلاتك لا أنت أنت ولا وطن لك أوفيك..." في هذا الديوان تقرأ الضفة الأخرى لشاعرٍ استلبه ركام الحزن والأسى، وهول الانهيارات التي شوهت أعماقه.. وكأنما يلفظ أشعارة الأخيرة التي لا بعدية لها.. تلك التي انتمت إلى حافة الأشياء، وتقهقرت عند حدها، فجاءت عرايا.. أبيضها على كف صاحبها.. تحسب الرمادي في هالته بقايا ضرام السفن.. فأجواء الديوان خانقة معاناة.. ونزفاً.. لا تتلمس فيها بقعة ضوء.. تتغشاها سوداوية، ولحظات فراغ تشي بالانفجارية في وجه من وجوهها والتهميش والتسكع في أخرى. "ماذا تبقى... هذي جراح النهار اكتمال الحقيقة طفلا فيصنعني وجعي ناطقا بالمرارات بهلول.. بهلول بح بأندلس العمر وابك الهزيمة سرِّح جنون الطفولة فيك وانعس نعاس الندى فلسطين يا أول العمر يا آخر العمر يا شهوة لن تكون... أُسائلُ أنلس وسمرقند وأعلم... لا لن يعود الوراء" ديوان مراثي البهلول تنفسٌ برئة غريبة لا تُشاكل سواها.. لكنه نبض شعري استثنائي.. خلع فيه الشاعر كل الأقنعة.. وأعلن البوح والتورط.. "كنت أظن الزمان لنا... والمكان لنا". أين عبدالله رضوان في "مراثي البهلول" من "مقام الرضوان"؟ يتقلب بين تمرحلات الموقف، ووشوات المقامات التي أهداها للحبيبة والوطن، وغنى بها لعمان فاستحالت زهرة المدائن وتاج الزمان، ثم لا يفتأ يرثي الوطن المسلوب ويبكيه مفجوعاً بالمآل.. هو الأندلس إذن! فاعن مستفعلن فعولن فعول.. تعرية للغة القواميس وإفراغ لمضامينها.. أو هي مساحات مفرغة تتأهب للقولبة والإشغال.. ولعلها استباحة المساحة المتبقية من القصيدة التي لن يكملها الشاعر في دواوينه القادمات.. وهي مفخخات المُطارد.. وقد ترك عتاده حيث هو.. وهي ترميز مستحيل للهواجس والأشجان.. حفرت أخاديد الحزن الحاد الذي أعلن عجز الكلمات.. فصارت على اشتقاقاتها ودلالاتها وأوزانها قوالب اكتمال الهزائم وتابوت الموت.. فكلُّ ما كان زبدٌ ذهبَ جُفاءً! استوجب أيقاع اللاشيئ.. أيقاع التفعيلة البلهاء مجردةً.. "المموسقة" نسقاً وسياقاً. "ما مضى مضى، لا أراني سواي، بهلول... بهلول، أنا الآن، جارح، سارح، حارق، مارق، عاشق، فاسق، أم تراني أنا فوضوي اللغات، سلبتُ لظى الاستعارة كي استريح، فلم يبق لي غير نيرانها، وبقايا القصيدة، ربما فاعلن تنهضُ الآن مستفعلن، فيفيق الردى، فوضويا ينادي، فعلولن... فعولن... فعول" في قصيدة "ابتهال للدوالي.. فجائع لبهلول" سياط ألم ولعنات وتقريع واستلاب.. غير أن ولادة هذه الشروخات في القصيدة فرادة لغوية وإيقاعية سامية، مزّقت حواجز الشكل نحو موسيقى الحروف وتدافع الجملة المكثفة في تلاحق جميل.. وتتجاسر الدفقات الشعرية على حسم الخطاب في جدلية غياب الحب "إن لم يكن وطنا.."، فكيف به وقد بات مسلوباً منذ عقود.. فقد جاء عنوان الديوان حاملا تناقض الظاهر اللفظي، فالبهلول هو الضحّاك أو المُضحك.. وإذا به ينسجم بإيقاع غير مشروط مع النفس الرثائي الذي يحزُّ المشاعر وينفث الخور في الأعصاب في مسرح الهزائم، حيث يغيب "عبق الحلم" في "ما قد يكون.. وطناً" "أنا وجع عمدته المنافي وليالي الحنين وأطلق ساقيه يسأل عن ممكنات اليقين ولكن هذي القصيدة تنأى فألهج بين رماح القبائل أُقسم ناشت رماحهم جمرتي وجلال اختياري" وعندما يُحكِم الشاعرُ البناءَ تحتكره نواصي الكلم دونما صخب ولا جِلاد، سيان إن ارتحل عبر بحور الشعر ماخراً عبابه، أو اطّوّف خارج عتباته.. إذ يبدو الشاعر أسير فكرة الخطاب التي تقف إلى جانب الهم البشري، وتنتصر على الخوف المُرتحل مع تذاكي البهلول، وهو يتقلب بين الانهيارات التي تهيء له الموت والأبيض، والرقص حافياً فوق كومة الجمر والغياب، غير أنك لا ترى انهزاما وجودياً إراديا في النصوص.. وإن تجلى تصوير ذلك إبداعياً.. "كأني أدمنت جرحي وأرَّخت بوحي بلا وطن أو صديق" ... فالقصائد تنحى في بعض دفقها نحو لعن الظلام، غير أنها تحمل نهوضا تعبويا في تلمس الجرح وموطن الألم.. وهي مواطن تقرأها في الذات الشاعرة، التي لا تحيلك إلى العدمية والوجودية السلبية قدرما تمضي بك صوب الحياة بإيقاعها المؤلم والحزين، ولكنه لا ينفلت البتة عن الرغبة في العيش.. ومشاركة الآخرين تقلبات أحوالها في واقعية يقف فيها الشاعر على حافة اشياء.. حياراً، بين نزعة التشاؤم وغصة الواقع وجذوة الأمل.. "وأعلمُ بعض القصائد قاتلةٌ وبهلول في فلك العمر يبتلّ بالبوح هل أموت هنا؟ هل أحب هنا؟ هل أنا من هنا؟ كل هذي المنافي عويل عويل!" لم تكن القصائد رغم الحزن الجارف فيها غير نبل شاعر لا يستمرئ الأنين والاستعطاف.. فالقصيدة عنده عتاب مُرّ تسكنه الفضيلة في نهاية الساموراي.. أو الشهيد اليرموكي أرداه الظمأ.. فياء النسبة وتقمص بهلول لا ينحيان بالشاعر نحو الذاتية في فتح النوافذ وإغلاقها حزناً أو فرحاً.. وإنما كان "بزوغ المسيح إلى شهوة المتعبين"، "والوطن الصعب، والممكن المستحيل"، بل باح "بأندلس العمر".. "كأنك طير الفينيق، توزع ريشك في الأرض... أنت فوق الجهات، وفوق اللغات، وبعد الممات، ستسأل عنك القصيدة، أينك بهلول؟ بهلول مات... فمالت علي الهزائم تترى... فمالت علي الجهات، جميع الجهات... جميع الجهات".
|

