في جماليات القصيدة طباعة أرسل إلى صديق

في جماليات القصيدة 

"أغنية ضد الحرب" لحكمت النوايسة

أ.د. سلطان المعاني 

الولوج إلى فضاء قصيدة أغنية ضد الحرب لحكمت النوايسه مرهون بالبدايات المُعَنوِنة للمعاناة والغربة والضدية: آخر الأثلات، ضد، فجاءة، أزف الرحيل، ألملم الأشياء، آن أيني وغيرها. كأن لم يعد أمام الشاعر سوى رثاء الأثل.. وهو رثاء مفتوح على جميع المعاني المعجمية المحتملة للقصيدة.. "أَلَسْتَ مُنْتَهياً عن نَحْتِ أَثْلَتِنا.."، سؤال شاعر يلفح تاريخاً من الهزائم والخسارات.

أقوى ما يدهشني في قصيدة النوايسة أن ياء النسبة والأنا فيها ليست ذاتية، وإنما هي متكأ الباثِّ لنسبة الفعل إلى الكائن البشري، أو إلى زمان أو مكان معلومين[1]، فهل موسيقى التوليفة التالية، وما فيها من مشاعر وانفعالات سوى مونولوج جماعي، يصلح خلفيةً لاستحضار الفكر والوجع الإنسانيين؟ أكثر منه انكفاءة ذاتية قنصت تجربة ذاتية بأسلوب غنائي بكائي وكفى! ولعل هذا ما يرقى بالقصيدة منذ عنونتها إلى الانحياز نحو الجماعة.. إننا نلمح في قراءة القصيدةِ ذاتَ الشاعر التي تنتصر للحراك الجماعي: 

"حارت بي الدنيا ، أليس لها سوايَ عجينةً لفنونِها

لبست جنونَ الوحشِ مُعْجَبَةً وصار حكيمُها مجنونَها

وأنا فريستُها وتنهشني وحوشُ ظنونِها

للظنِّ ، محضِ الظنِّ ، نمتُ معلّماً ، وصحوت منبوذاً ، وكِيْسَ درونِها

أوما بكت عينايَ حارسةً ترتّلُ زيزفونَ غصونها

أوما سهرتُ لنهلِها ماءَ الحياةِ ، أُقيتُها كافاً لحيرةِ نونِها؟؟

وأُعلُّها من ذَوْبِ روحيَ، ما مننتُ، وما انبغى منٌّ على مفتونها

أنا حارسُ الدنيا وغرِّيدُ المحبّةِ، والغدُ العطشانُ في مكنونِها

أنا صوتُها الصّافي، وفطرتُها الحنيفةُ، كربلاءُ مجونِها

ميزانُها ما اختلّ ميزانٌ، وعصْف الياسمين إذا تأسَّنَ رَوْحُها

أنا عقلها وجنونها
أنا عقلها وجنونها"

ويعتقد امبيرتو إيكو[2] أن أصالة الاستعارة تتبدى في انتهاك مسارها البلاغي السابق، وإلا فإنها ستولد ميتة أو مبتذلة في سياقها الجديد.. "أزِفَ الرحيلُ، أشمُّ رائحةَ القَرنفلِ في يديكِ، أكادُ ألمحُ غابةَ تمشي.."

إن قول النوايسة "أكاد ألمح غابة تمشي" تطبيق لقاعدة أنسنة الجماد في وضع الغابة دالّة على الإنسان، أو عضو المشي فيه.. ولكن الشاعر لا يصل في استعارته التاريخية لقصة زرقاء اليمامة إلى الدرجة الصفرية، بمعنى توظيفها كما وردت في سياقها التاريخي المعروف، وإنما هي حالة مبتدعة جديدة تنسجم مع لملمة أشياء مَنْ أزف رحيله، سيان سواء أكانت الغابة تمشي نحوه، أو معه، فإن حالة الحركية هنا احتشاد لتوظيف صورة الرحيل مبتدأ القصيدة.

"آن أينيَ ، سوفَ أدعو الذئبَ ، أخطَفُ صوتَه ، وألمّ أحلاماً أضعتُ"، ونتساءل مع إيكو في غير هذا الموضع، هل جاءت استعارة الذئب هنا تفسيرا معجميا للمفردة، أم للخصائص المشتركة بين المسند والمسند إليه؟[3]

لا تذهب المفردات في قصيدة أغنية ضد الحرب نحو مواضعها في معاجم اللغة، إنها تنحاز إلى الاستعارة والتأويل والمعاني الثانوية، وهو ما يرقى بفكرة الشاعر، ويظهر درجة التفاعل العالي بينه وبين المتلقي في منحه فرصة بعث الصورة من زوايا رؤيتها المختلفة:

"عيبي يا نجومُ مواقعي، عيبي وقوفيَ ناظراً للغيمِ أبحثُ، عن سمومٍ صرصرٍ تجتاحُ هذا الدودَ يمشي في الشوارعِ، غيرَ مهتمٍّ"

إن فضاء المفردة المستعارة قد ينتقل من محتواها الزمني إلى فضاء مكاني في تساوق مع النص، وبشكل تعاقبي، وهو انتقال بها من الحصر الدلالي اللفظي المعجمي إلى دلالات نصية مركبة، مترادفة، ومتلازمة مع المعنى العام المستوحى، والذي لا يتقهقر عند الملفوظ، بل يسبح في فضاءاته

"وأنا خَبرْتُك ، طَفلةً في ليليَ القُزَحيِّ، أغنيةً ترودُ بِيَ المسافاتِ العتيقةَ، غيمةً ترفو فضاءَ الرّحلة العطشى، بريقاً خادعاً في قصّة البدويِّ حينَ خذلته، وسكنتُ في أفقٍ الخديعةِ، غيرَ مهتمٍّ بموتي كلَّ يومٍ، غيرَ مسكونٍ بما ينتابني، لمماً حياتيَ في الحياةِ، وخلّبٌ مكثي القليلُ على القليل من الرّجاءِ، تفرُّ من تحتي الطريقُ، أُعِدُّني للموسمِ الماضي القتيلِ، كأنّني ما كنتُهُ"

الدرجة الصفرية والمعنى الحرفي، وفق امبرتو إيكو، سعي إلى جلاء الفارق بين معنى حرفي، وتحديده في المعيار الإحصائي بدرجة الصفر، ومعنى مجازي. فهل المطلوب فهم جملة "سوف أدعو الذئب" فهما معجميا حرفياً بالدرجة المعيارية الصفرية؟ أم ننحرف به دلالياً إلى الاستعمال المجازي؟ ولعل الاستعارة هنا في فضائها المجازي حث على التواطؤ بين الباث والمتلقي على استلهام المعاني التأويلية المحتملة والمعروفة مسبقا في مجاز حضور الذئب في القصيدة، ويبدو هذا التجلي، أيضاً، في قول الشاعر: "أكاد ألمح غابة تمشي"، وهي قيمة استعارية تفتح فضاءات استحضار الموروث في قصة زرقاء اليمامة.. فوق ما تختزله من معاني الحركة التي وشى بها تعبير "أزف الرحيل"[4]. إن عالم الاستعارة عند إيكو يرتبط بالمعنى، ويدخل دائرة اللامعقولية إذا حوكم على أساس الحرفية في معنى اللفظة، ولو على أساس موسوعي في فضاء المعاني والدلالات: "أشتهي  …   دفئاً شباطيّاً، قديماً، أشتهي وطناً قديماً، كنتُ أدمنتُ الرّحيلَ إليه"، فالخطاب المجازي لا يكون موفقا في موقعه من العمل، إلا إذا اتكاء على رصيد مجازي سابق، يؤهله دخول عالم المعنى الجديد، فجملة الشاعر "وغارت أنجمي سبعين غوراً" لا تكسب ألقها، إلا إذا افترضنا الحضور التراثي في "يهوي في جهنم سبعين خريفا" ..  "اشربيني، انهدَّ إيقاعي، وغارتْ أنجمي سبعين غوراً، لستُ بدعاً في الرّجال". ويسوق إيكو مثلا على المجاز والاستعارة من استهلال الكوميديا الإلهية: "وسط طريق حياتنا، وجدت نفسي في غابة مظلمة، وأرى أني ظللت الطريق." ويوضح أنه "يمكن قراءة البيتين الثاني والثالث دون أي إشكال، لأنه ليس هناك شيء عبثي في تيه المرء في غابة. إذا بدا هذان البيتان للوهلة الأولى مبنيين جيدا وصحيحين, فلأنهما في الحقيقة ليسا استعارة ولكنهما مجاز. وهو نموذج للمجازات التي تقبل قراءة حرفية"[5]، ونتلمس أمثلة ذلك عند النوايسة في طوفت المدائن باحثا عنكِ، "أنا السّرابُ... وهاجسي شوكٌ ، وشوكيَ هاجسٌ، هامت بيَ الهاماتُ ، طوَّفتُ المدائنَ، باحثاً عنكِ"، فهي ليست صنو المجازية في قول الشاعر: "وأطيرَ، أعزفُ، موطناً نفسي، وأنسُلُ من غيومِ اللهِ قمصاناً، وأخلعَها عليك لتبصري"، ففي هذه الدفقة من القصيدة حشد من الصور والاستعارات وتوظيف التناص الذي يذكرنا بقميص يوسف الذي رد ليعقوب بصره.

ويرى إيكو إن المباشرة في طرح المفردات يعد خرقاً دلالياً "والرمال طيور حبّ"، أو تناقضا ذاتياً "وأبي، تركت أبي، يغنّي في لياليه الحزينةِ ، لم يعقّبْ، كان مشغولاً بنا - أمي تقولُ- وكان أن ماتت ومات ، ولم يكن لي أخوةٌ، غيرُ الذين عرفتُهم متقلّبين بنومهم تقوىً"، أو خرقا معيارياً " وآن، أصيرَ ريحاً، والنساءُ حدائقَ، والبحرُ خمراً"، وهو في النهاية إذن هرطقةً "وبريقاً خادعاً". ولكن المباشرة في الاستعارة لا تفسد، في بعض ورودها، جمال النص ولا توظف مبتذلة: "ونامت أمّتي، يا أمّتا قومي، اختلَطْتُ على الشموسِ، كأنني ما كنت نجماً، يحمل الأرض على كفّيهِ، ساحرةً خطاهُ، ومَرُّهُ عذْبُ البهاءِ".. الأمة لا تنام والأمة لا تقوم، الناس ينامون ويقومون.. لكنه التوظيف الاستعاري المباشر المباح، الذي يمنح المفردة رغم مباشرتها توليدا دلاليا جديداً.

إن الاستعارة تفاقم في الاستدلالات واتساع في المعاني، وهي، حسب إيكو، تناول موسوعي لا معجمي، فالقصيدة لا تحتمل اختناق اللفظ بالمعنى المباشر، ولا مكوثها عند دلالة تَخَلُّقِها المَوْقِفيِّ الأول، إنها امتداد المبدع افقياً ورأسياً، وحالة من التسامح أمام المتلقي لثقب سقف النص نحو شطحات التأويل: 

"هرّتْ كلابٌ طارقاً، فَنَمَتْ على جَذَلِ الجفونِ غلالةٌ، ما ربّها ربٌّ، ولا شَرِبَتْ سوى كسلٍ، وزيفِ توكّلٍ، وأقول: إنّي خالعٌ لكِ كلَّ ما، شاءتْ بلادٌ دونَ صحويَ، كلَّ ما أجّجتُ من نار، لأوقدَ دربَهم، ناري الأخيذة، كلّما أجّجتها، جمعوا عليَّ ظلامهم، وتكالبوا، هرّت ذئابيَ ريحهم ، فقمعتها، لا أشتهي لحمَ ابنِ عمٍّ، لا أسوغُ دمَ الصديقِ، أحبُّّهم، ولسوف أخلعهم إليكِ، ولي قصائدُ، كنتُ أجمعها لنارِ تلمُّسي درباً إليكِ، وسوف تكفي، كي تضيءَ توحُّدي بكِ، آخرَ الأثلاتِ، أتعبني الرّحيلُ مفتّشاً عنكِ الحروفَ، أنا الكثيبُ إلى حنانكِ، فاجمعيني، وردةً لا ريحَ تعصفُ بيْ، أصيرُ، لأشتهي ماءً يذوّبنا معاً، أو أنتمي، وطني دمي، وطني دمي" 

ويعتقد إيكو أن الاستعارة لا تولد على إطلاقها من إرث سابق بالضرورة، بل تنبع أحياناً من قصدية المؤلف، فهي تعبير داخلي وجداني، فهي تأويل المبدع من جهة، وابنة النص الاستعاري من جهة أخرى، ولتوضيح هذا يمرر لنا إيكو جملة: يأكل جون تفاحته كل صباح، على أن وجها تأويلياً تفكيكيا لها قد يكون أن جون يرتكب كل يوم خطيئة آدم.

"هذا الكلامُ الماءُ، لا تقفي طويلاً في تفاصيل الحروفِ ، كما وقفتُ، موزَّعاً: صوتان (حيَّ على الصلاة) وجاوَبَ الأعداءُ والأعداءُ : حيَّ، ورحْتُ أقمعُ رغبتي بجنانهم، سقط القناع عن الهِلالِ، أضاء لي، أني سوايَ، ولم أكن، طرَفاً بكلّ دمي المباحِ، اللهُ في الجهتين ربِّيْ... ".

وقد تبدو الاستعارة حالة إيحائية بحتة مليئة بالتشفير والترميز ولا تقترب البتة من مدلول أكثر من غيره، فصورة المحراث مثلاً في مرحلة الكتابة التصويرية، لا تعبر عن مفردة ذات صوت ومعنى، ولا تمتلك قوة الاصطفاف إلى جانب اختها في تسلسل منطقي لتأخذ كينونة المفردة، فالمحراث في هذه المرحلة إيحاء يشير إلى الزراعة بكل فضاءاتها وقاموسها اللغوي والدلالي، فهي ظاهرة سياقية تخلو من الفعلية والظرفية الزمانية والمكانية، فكلمة الخرائط في جملة هدتني الخرائط تالياً.. عالم مفتوح على إيحاءات ما قبلها وما بعدها، وعلى ما يتوالد عند المتلقي أيضاً، وأسوأ معانيها يكمن في تقزيم فكرتها بالسؤال المدرسي عن معناها: "آنَ أن أدعو الرسولةَ باسْمِها، قُوميْ أكُنْ حرفاً، أكنْ ما تشتهين، ازَّلْزَلَ البنيانُ، هدّتني الخرائطُ، لم أعد صوتاً، وهذي الرّيح مُلْبَسَةً تجيءُ، أكادُ ألمحُ غابةً تمشي... عَشِقْتُكِ، تنشرينَ العدل في الدنيا، عشقْتُكِ، تُقمعينَ، غريبةً ، وأنا الغريبُ إلى الغريبةِ أنتمي".

في قصيدة النوايسة انحياز نحو الحياة، تتطلبه المحاولة المتارجحة بين موقفي الحرب والسلام، فبينهما، كحالاتٍ مفصلية، كانت وتيرة الأيام والسنين، يفرض الزمن إيقاعه عند حافتيهما، وكأننا أمام طقسيتين أبديتين تنسجان أعمارنا، أفرادا وأمما وحضارات. إن القصيدة لا ترفض الحرب ولا تلغي واقع حدوثها، لكنّه التمني والرجاء القار في وجدان الإنسان منذ الخليقة، فالشعر ناقل لهذا الحس الوجداني قبالة  دوائر القلق الوجودي، والقصيدة إذ تُعلي غناءها ضد الحرب، فإنها لا تتخلى عن الحزن، ولكن مع مطارحة الفرح، ولا تتعالى على الألم، فهو مبثوث في القصيدة من مبتداها، ولكنها تتشبث بالأمل، وقد غالب النوايسة نزعة التشاؤم وبدا منتصراً عليها، ولكنه ظل يعلن صرخة السلام قبالة حرب لا تنتهي وجودياً، فإن كانت هذه وتلك حتمية حياة، فهو ينحاز في قصيدته إلى خيوط الشمس والربيع والمرأة ونكهة الصهباء، يسكنه التصالح في مدارات الذاتي والإنساني والواقعي والتاريخي. ويقترب النويسة في قصيدته من براحات شتى؛ التاريخ، والغربة والبادية والتراث والقصص الشعبي والملحمي، وهو اقتراب لا يوقع الشاعر في منزلقات الماضوية، ورجوع القهقرى، فهو يستنهض تلك البراحات بحس الشاعر وتمحيص الناقد وأدوات المثقف، وشواهد ذلك نَفَسٌ شعري متدفق وموسيقى عروضية متعالية تسحب إليها الأدوات البلاغية والأسلوبية بإحكام، علاوة على حشدٍ مدهشٍ موفقٍ للتراث وَنَسغِهِ حالةً شعرية تتظاهرُ من أجل البعث الحضاري، وتنتصر للجمال وللسلام وللإبداع.

إن قصيدة "أغنية ضد الحرب" نص إبداعي مُدَوي، وقصيدة تعلو صدارة ما يتيسر لك من قراءة الشعر، هي عالمٌ من التكاملية، جلُّ ما فيه يحتاج إلى وقفات مع؛ الموسيقى، الجملة، الاستعارة، المجاز، التأويل، التناص، الفكرة، ورسائل الشاعر المضمرة.

 



 [1]   النص والتأويل، بول ريكور، ترجمة: منصف عبدالحق، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد الثالث، 1988م.

[2]   في غيرما موقع من الدراسة وظفت تأويل الاستعارة لأمبرتو إيكو توظيفا مباشراً يهدف إلى جعل قصيدة "أغنية ضد الحرب" أنموذجا حياً يمكن تعميمه على القصيدة العربية في تبني منهج إيكو في كتابه حدود التأويل". وقد اعتمدت في هذا على ترجمة لحسن بوتكلاي الجليلة لفصل تأويل الاستعارة من كتاب أمبيرتو إيكو الصادر بالإيطالية:

Umberto Eco   : Les limites de l’interprétation  , traduit de   l’italien par Myriem Bouzahir, Edition Grasset et Fasquelle 1992  .

 

[3]   تأويل الاستعارة تأليف: امبرتو إيكو، ترجمة وتقديم: لحسن بوتكلاي، مجلة فكر ونقد، عدد26.

[4]   في هذا التفسير انحياز كلي من الكاتب إلى ضرورة تناول القصيدة وفق تأويل التفسير عند امبرتو إيكو، والذي تناول، في هذا السياق، الذئب مادة لتأويل الاستعارة أيضاً.