تعليق حواشي المؤرخ على رواية طباعة أرسل إلى صديق

تعليق حواشي المؤرخ على رواية

"بترا" لهاشم غرايبة

 أ.د. سلطان المعاني

لقد جعل هاشم غرايبة من بترا عالما من العلائق، وفضاءات من التاريخ المسرود والمرئي.. وحركية تضج بها أحقابها المتعاقبة، فلم تكن مكان سكن ومقام وفق المفهوم التقليدي، إذ بدأ من فصل الرواية الأول يؤسس لملحمة تاريخية حضارية تجلى المكان فيها عبقريا، نظم جميع العلائق وفق مشتهاه، الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية وحتى العسكرية، وقد أسس الروائي عالما غير مناوئ، ينفرد بكينونة فاقت ما سواها جوارا وزمانا، وقد نما فيها الجهد البشري على صعده كافة، وفق حتمية الأشياء، في مسوغات تطورية، تبلورت فيها الروح والشخصية والخصوصية التي أرادها لها أصحابها.

لم يشأ المؤلف أن يفصل عالم بترا عن محيطه، وعيا بخصوصية العلاقة فيما بينها وبين الجوار.. والتي تزاحمت فيها الأحداث سلبيها وإيجابيها، وتعاقب على فعلها المحبون والمبغضون، عربا وساميين ويونان ورومان وغيرهم.. فبترا لم تكن مدينة حدث أو جملة أحداث بدأت وانتهت، بل قصة حضارة بكل تجلياتها.. من إزميل النحات فيها إلى أبجدية الحرف الذي تخلق في رحمها، ليعلن الرسمُ القرآني بعد قرون انتسابَه له.

تأسيس بترا على طريق التجارة منحها صبغة لتشاكل مع مدن الجوار وثقافاتها في كثير من مناحي الحياة، وقد تبدت حميمية هذا التشاكل في اللغة، التي جسدت فعل الاستيعاب الحضاري، الذي يلبي احتياجات الاستقرار، والتقبل الاجتماعي، ويؤسس لعلاقة براغماتية قوامها التفاعل الملاحي والتجاري والتصالح الأمني والسياسي أساسا ومنهجاً.

لقد عاينت بترا المدينة اليونانية والرافدية والرومانية والمصرية واستحضرتها في بوتقتها الشرقية، وتبدّى هذا في توليفة النمط المعماري وتعدد عناصره. وقد تفهم سكانها متطلبات هذا التطبع الحضاري، الذي يمنح المدينة تفردها وهويتها.. ويفتح نوافذ التواصل والمثاقفة بلا طوباوية ولا مصادرة.

هيأت الرواية تسامي الفكرة الدينية والروحية عند الأنباط حيث أجهز الروائي من بداية ملحمته على القارئ.. ليستسلم لإرادة إله بترا "ذو الشرى"، الذي بدا ضابط إيقاع كل منحى من مناحي حياة قاطنيها، وحياة من تنتظم سكناهم سلسلة جبال الشراة.

أنا ذو الشرى "تضرع إليّ الناس".. أنا كبير آلهة الأنباط وأعظمها.. صاحب الذرى وجبال الشراة، لا أذكر أيهما تسمى بصاحبه.. تلك الذرى المتسلسلة عقدا ينتظم الأرض العربية من وطني حتى اليمن السعيد.. فغدوت صاحبها وحاميها.. أم هي التي انتسبت إلي إذ تموضع الناس آنذاك على نعتها باسمي، وهو ما حلا للعرب والساميين مرات ومرات.

والشراة في مبتدأ الرواية نزوح بشر وانزياح خصب.. تشبث بها نبطو.. كما الأسد يأوي للشرى.. أو كمن احتمى بالحرم الذي يقدس، وإن لم تسعفه السماء ببركاتها ولم تنز له الأرض ماء بنابيعها.. ولكن نبطو شأنه شأن أهله الساميين ينتسب لتلك الآلهة التي ترتبط بالمرتفعات والسلاسل الجبلية.

ويكرس الروائي مقولة ثيودور نولدكه من فصل روايته الأول في عد "ذو الشرى" مرتبطا بالزراعة والخصب.. معلنا إياه إله الخصب.. وفيما بين السطور نقرأ تقادم هذا الإله.. وكأنما توارثه نبطو من أسلافه الأدوميين.. وهو ما ذهب إليه بعض الباحثين مثل كاميرر.

ويتخير بطل الفصل الأول نبطو وقرينته الحجر الهابط من السماء مأوى له.. وهذا إنباء عن "ذو الشرى" إلها كوكبيا.. فهو عند الأنباط في مرحلة من تمرحلاتهم إله الشمس.. بدا في بعض المواقع الأثرية النبطية صخرة مربعة ذات لون أسود.. ويستحضر الروائي، على أية حال، مخزونه التاريخي الديني في قصة الحجر الأسود والسعي بين الصفا والمروى بحثا عن الماء.. وربما كانت الحال عند الأنباط في مبتداهم تقوم على قوة استخدام الماء واستنباطه من الأرضين.. وجمعه في آبار سرية كمخزون يقيم عليهم حياتهم ويسعفهم وقت حصار الجفاف واستعداء الأعداء.

ويحار المرء في هذه النهاية لنبطو الأب وبترا الأم، وهذا شأن الروائي الذي تخلى فيه عن دور المؤرخ الراصد، ونلحظ الحرص اللحوح على إبقاء الدور أساسيا لذي الشرى في البداية والاستمرارية، وهو تأثر شرقي لا ندري إن كان الأنباط قد أولوه كل هذه الاهتمام على اختلاف مدلولاته وتمرحلاته، من إله بدوي إلى آخر مدني يعاقر الخمر ويضاهي باخوس.

تعمد الرواية في فصولها المتعاقبة على تكريس النهج الشرقي في الارتباط بالمعبد، ومنحه السطوة والسلطة في شرعية التناوب على جميع مؤسسات الدولة، وإضفاء الأمان الروحي على حياة الناس على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم، وقد تقاطر إلى معبد "ذو الشرى" علية القوم وسادتهم، أغنياؤهم وفقراؤهم لإرواء تعطشهم العاطفي، والمعاودة إلى الصواب الذي يبدد الخوف والقلق من الجراد والجوع والعطش وطمع الجيوش الجرارة..

إن الأنباط، واقعا ورواية، تعاقب في نمط الحياة، بين البداوة والتنقل على سيف الصحراء، والمدنية بثقلها وتعقيداتها الحياتية، الثقافية والحضارية والديموغرافية.. ولذا فالنبطي دائم التوثب القلق في زاوية الأمن، جعل مدينته محصنة بالطبيعة والعسكر والآلهة، وفي ذلك توق متأصل في اللاشعور، دفعة حيث سنحت الفرصة إلى الولوج داخل بترا بعد الفراغ الآدومي السياسي والعسكري في المنطقة.. وهو الذي لم يخبر الاستقرار الحضاري قبلاً، وإن جاور أهله في غير حضارة ودولة، وقد ولدت معايشته شعور القلق من القادم الذي يبتغي سلب سطوِهِ على المكان.

وقد استحال هاشم غرايبة في بترا نبطيا عاصر تخضرم أهلها في مرحلتيهما من البداوة إلى التمدن، وقد أفرغ فيها من ذاته بحجم المواقف والأحداث التي تسردها شخوص الرواية، أو تستثيرها المواقف والأمكنة، ولكنه لم يتلون تأدلجا يذهب بألق الروائي، رغم تنسم المباشرة، في مرات نادرة، بشعورية مرهفة، وبمهارة التخلص عند القاص، ولعلنا نستشف ذلك في سوق المهن السبع المكرسة في سوق بترا في الفصل الذي يسبق قفل الرواية.

وتبدو بترا في رواية هاشم غرايبة منحازة إلى الكدح والبناء والتفكير بالمنجز القادم.. ويُقْلِقُ سادتها تأسيس النظم والقيم المجتمعية التي ترتقي بمدينتهم إلى حالة الفعل ومركزيته، وهم الذين عاشوا بداياتهم على جوانب طرق القافلة التجارية القادمة من الشرق الأقصى، والمتجهة إلى سواحل المتوسط، والتي ما نابهم منها سوى أجرة حمايتها من قطاع الطرق، أو أجرة استخدام الطريق، وفي أحسن حالاتهم أدلاء لها.

وقد جاء الشأن اليومي لسكان بترا أنموذجا للدولة التي تعي حجمها، وسط محيط هادر بجحافل أثينا وروما وبابل وفارس، فقد كان شأنا اعتياديا يقوم على علاقة تشاركية بين السكان، يتلازم كل وفق مرتبته مع حقوقه وواجباته، ينشدها ويسعى إليها، يتحصل عليها تارة، ويشقى في سبيلها تارات، ويدفعه استعصاء الأمر إلى الثورة في حالة الاستثناء.

مدينة بترا تفضلٌ حضاري على الأنباط والعرب وشعوب الجوار، تقع على طريق القافلة التجارية فتشيع الأمان في دروبها وتقدم لها مستلزمات الاستمرار والإقامة، وتمنح أهلها ثراء ودعة ونفسها ازدهارا واتساعا وتنوعا يكسبها مدنية تفوق سواها، فلم تصورها الرواية ولا المعطيات التاريخية والمادية الماثلة مدينة آثمة قاسية، سوى ما تحتجبه فصول السنة في بعضها من وفير الماء وخصب الزرع، وقد تفنن الأنباط في معالجة شح المطر، فأنشأوا البرك وشقوا القنوات والترع، وقد جعل هاشم غرايبة عماد قسطو سيد هذا المنجز ببصيرته التي هدته إلى فكرة الأوتاد في شق الصخر مسيلا للماء نحو الآبار وري المزارع. وقد وثق الأنباط بكبير آلهتهم "ذو الشرى"، فهو صاحب الديار وحاميها، يضرعون إليه، ليسقي الضرع والزرع: "يا ذو الشرى، يا ذا القدر. اسبغ علينا عطاياك. انظر إلى ينبوع مائنا إنه يشتاق لأن يكون عميقا ومتدفقا. ثلاثة أعوام وثلاثة فصول، وثلاثة أقمار، وثلاثة أيام، ونحن في انتظار رحمتك؛ فامنحنا بركتك. أربعة أيام وأربع ليال، ونحن راكعون نمتح من ينبوع حكمتك؛ فألهمنا الصواب".. فبترا رغم الضيق والضنك وقلة الماء والمطر مدينة غير مرفوضة، فيها متسع من الوقت والمكان والسكان للقيا الآلهة والتخاطب معها والتضرع لها، وكأن سمو الروح والآمان الذي يسكن أهلها قادر على مواجهة ظروف الطبيعة، وأطماع الدول الكبرى المجاورة، وتآمر الطامعين بالسلطة بعضهم ببعض.. وها هي أصوات جماعية تنطلق من معبد "ذو الشرى" تتضرع من أجل الخصب والطمأنينة: "ذو الشرى، يا فالق الصخر بقطر الندى، أيها الحجر المنبثق من السماء، يا من يبعث في تجواله عبر الفصول الغيث ونور النهار، امنحنا الطمأنينة والخصب، آمين"، وها هي المرأة النبطية في بترا عذبة الصوت ندية الحضور.. تحب الناس والأشياء والقصور والطير والشجر، والأمكنة والأيام، "تمتلك قدرة عالية على الإحساس المفعم بالحيوية بتقلبات الطقس، وتبدل الأحوال.."، فالمرأة النبطية في رواية بترا تحاكي نبض ووجدان المرأة النبطية في أزمانها، علو مكانة ومهابة، وتشاركية في التملك والحكم، وأداء الواجب والتمسك بالحقوق.

جاء النبطي في الرواية غير لعّانٍ ولا متهيب.. فإن بدا في بعض مواقفه رافضاً وثائراً، فإنما يعكس روحا سامية، وهمة عالية وهبته إياها ذرى الشراة.. ومنعة المحيط، واقترابه من المعبد، ولم نره منكسرا حتى في مواجهته البطالمة والرومان، وقد تعامل معها عسكريا فتناوب النصر والهزيمة معهم، وفاوضها فكان دبلوماسيا التقى مع كبريات إمبراطوريات عصره على مائدة مستديرة سواء بسواء، وقد ضحى ببعض الهدايا والهبات والفديات في سبيل الاحتفاظ بمدينته وسيادته عليها وعلى طريق القافلة التي تعبر في رحلة الإيلاف بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، وقد تمثل الأنباط مقولة العرب، حين يدعو الواجب وداعي الحمى: "اليوم خمر وغداً أمر"، فها هي دنان النبيذ، في يوم أيلة، تتكسر فيسيل أنهارا في وادي النبيذ، بعد أن كان قفرا يبابا.

ومقابل ذلك كانت بترا رغم ثرائها وانتصاراتها وتعلق أهلها بها قلقة في بعض أوقاتها، أقرب إلى التبعية منها إلى الاستقلال، ولكنها لم تترك دورها الريادي في حقول التجارة والكتابة والعمارة، ولم ينشغل الأنباط كثيرا بمسألة فقدان الهوية، لأنها لم تكن محط طمع قدر ما كانت طريق التجارة وموقع المدينة، الذي يشكل واسطة العقد بين اليمن والبحر المتوسط، وسوريا ومصر القديمة.. والذي منح بترا عصرا ذهبيا، جعل فيها القراء والكتاب والمعماريين والفنانين والأطباء، ووهبها الأعياد ومجالس الأنس وكؤوس الطلا، والندامى والعشق والشهوة.. "عبر الزفرات الحرى، وأمام ذو الشرى، وضع البخور المعطر، وسكب الخمر كالعسل.. الظلام كثيف لا عين له، المعبد يتنفس رائحتها بعمق. شبحها ذاب في العتمة. اهتدى إليها بضوء الرائحة..."

ورغم التصالح الديني والاستقرار الاقتصادي والقناعة بحتمية معونة الآلهة لبترا وأهلها، غير أن تصالحا سياسيا حقيقيا لم يكن ليبرز في غالبية فصول الرواية، فقد بدت عوامل التردد والتآمر والانكسار في المراتب والأدوار، وتداخل الأطماع في مكتسبات المراتب، وبدا الهوان والضعف جليا أمام سطوة المعبد.. فلا ينجبر الحال ولا يلتئم الشمل سياسيا سوى أمام الخطر الداهم خارجيا، عندئذ تعود الأمور إلى حتميتها بضرورة التوحد في مجابهة ذلك الخطر الداهم، ويعود معه دور الأمير والملك ومجلس الحكم كما ينبغي له أن يكون، ولكن بعد فوات الأوان في بعض المرات، "هل هذا جزء من الحياة اليونانية؟ أن ينحني والدي وأخي يتمسحان بالأرض أمام الوكيل السلوقي، ثم يعاودان الانحناء لوكيل البطالمة، ويعد والدي كل واحد منهما بالطاعة والإخلاص طيلة حياته!"

تطبع الأنباط في بترا بطابعها، وراحوا يمازجون بين الرقة والرهافة، وبين الغلظة والصلابة، وقد أدرك أهل بترا بحس متجسد هذا التمازج العجيب بينهم وبين مدينتهم، ففي نص الرواية نقرأ: "الوادي معسول بضوء القمر، والرمل نابض برطوبة الطل، والحواف الصخرية العالية من حولنا تفرد حضنها لاستقبالنا.. والشهب خيول بيضاء تمرح في بيداء السماء فرحا بنا..."، وكأنما يجسد الروائي المكان كائنا حيا، لعله هو، في علاقة تواصل طفولية تتماهى فيها الأشياء جميعا في وحدة واحدة مع الجسد، وتتوالف الروح مع المكان ذاتاً تسكن جسدا ليولد النبطي كائنا حيا، وتولد بترا مرتكزا لتشكلاته جميعها فنيا ومعماريا ودينيا وسلوكيا.

تسيطر دهشة الكشف والصدفة على الروائي وكأنما جعل بترا والأنباط الأوائل هم مَنْ قدموا للبشرية المأوى في رحلة البحث عنه في العصور الحجرية.. وفي هذا انحياز عن التراتب الزمني عند المؤرخ.. حيث يوظف هذه القضية في خدمة النسق النصي للرواية في موضعه منها.

وفي ذات النسق تعاقبت روايات مختلفة في مسألة أصل الأنباط غير أن الروائي يرجح مسألة انطواء الأنباط تحت لواء الاتحاد القبلي القيداري الذي تسلل إلى بترا والمناطق الداخلية بعد الفراغ السياسي والعسكري الذي خلفه غياب الدولة الآدومية جرّاء الهجمات البابلية المتكررة على شمال غربي الحجاز وجنوب غربي بلاد الشام وفلسطين، في محاولاتهم بسط النفوذ على المنطقة في سباقهم المحموم مع الأسر المصرية القديمة السيطرة على بلاد الشام.. وقد كان ذلك في حدود القرن السادس قبل الميلاد، وقد عاشوا حتى القرن الثاني الميلادي نسيا، لا نعرف عنهم أكثر مما وصفهم به ثيودور الصقلي في كتابه التاريخ في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد:

" لقد آلوا على أنفسهم ألا يبذروا حباً، ولا يغرسوا شجراً يؤتي ثمراً، ولا يعاقروا خمراً، ولا يشيدوا بيتاً، ومن فعل ذلك كان عقابه الموت، وهم يلتزمون بهذه المبادئ لأنهم يعتقدون أن من تملك شيئاً استمرأ ما ملك ( وعزّ عليه التخلي عنه ) واضطر من أجل ذلك أن ينصاع لما يفرضه عليه ذوو القوة والجبروت"، وقد ترجمت الرواية واقع الأنباط في تمرحلات الانتقال من البداوة إلى الحضارة والمدنية، وفق الحقائق التاريخية ووفق النظرة الخلدونية إلى الحضارة كمكتسب يذهب بصاحبة إلى الخوف على المنجز، وهو ذاته ما أورد ديويدور الصقلي على لسان الأنباط. وهو ما وظفه هاشم غرايبة على لسان وهج، مستندا، على حق، إلى كتب المؤرخين، أمثال الصقلي، وما ترجمه عباس في مقولتهم هذه.

يقرأ هاشم غرايبة تاريخ نشوء بترا من خلال فكرة ابن خلدون في تعاقب المجتمع على مرحلتي البداوة فالحضارة، وقد أسس قوام مجتمع الأنباط وفق ذلك فرجع بهم إلى الاتحاد القيداري متجاهلا نظريات أصل ونشوء الأنباط المختلفة. فمن بين المسائل المثيرة للجدل والنقاش بين الباحثين مسألة أصل الأنباط، والموطن المحدد الذي انتقلوا منه إلى شمالي الحجاز، ومواطن الآدوميين. ورغم التباينات في الرأي، فإن الأنباط عند الكثرة الكاثرة من الدارسين عرب خرجوا من شمال شرق الجزيرة العربية واستوطنوا منطقة جنوب الأردن، وأقاموا فيها دولة مستقلة لهم. وكان أكسل كناوف من الذين تبنوا هذا الرأي، معتمدا على اسم اله الأنباط الرئيسي، الذي اشتق من اسم هذه البلاد ، وهو ذو الشرى.

وقد استحضرت الرواية أيام بترا، والنشاط التجاري والسياسي والفكري والديني الذي كانت تضج به ساحاتها وطرقاتها ومسارحها ومجالس عروشها وأروقة معابدها.. ولو أن الراوي قد جعل المعبدَ الملجأ والمتكأ لمجمل ذلك الضجّ وتلك الأنشطة.

ولم يغفل النص الروائي عن رصد الوظائف والمهن التي سادت بترا، وقد احتشد لها الروائي أيما احتشاد ليمنحها حقها من الذكر والحضور وليستجيب لنداء بترا المتفتح بمنتدياته ورحابته وسلوك أهله وعقليتهم التي تقبل القبيل.

وفي "جراح النصر" وسواه ينثر الروائي عددا من أسماء الحرف والمهن في سياق توظيفها في البناء القصصي والسردي والمونولوجي للرواية، وقد ساقها كما قسمها العرب الأنباط في عدد من الوظائف والمهن والحرف؛ معمارية   ويدوية وتجارية   وسياسية وعسكرية ودينية، ومهن تعليمية وطبية.

وتظهر الأساليب النحتية في بترا نشاطا فنيا عظيما في فن  الزخرفة، وقد أدهشت الدقة المتناهية والمهارة الفائقة وتنوع الطرز المعمارية المنحوتة في الصخر، ذات التماثل الفني الدقيق، كل من شاهد هذه المدينة الوردية منذ القرن الثاني قبل الميلاد وحتى يومنا هذا. وأفصحت النقوش النبطية عن مهنة العمارة.. /فأمنا، وأمنيا/، مفردتان نبطيتان تسمى بهما المعماريون النحاتون العرب: عقبر قحم.. وهاجي.. وكد بن بيشت.. وأنعم بن عصب.. وحور عبيش.

وتستجمع الكلمات التي تسكن النقوش صدى الإتقان النبطي لحِرَفِ البناء.. فما تخانسوا في الزوايا، ينظرون منجز فارس وروما.. بل سطروا الصخر إيقاعا عروبيا صهوته الصَّبَاحِ البَهيِّ وتَوَرُّدُ الجبال.. فيستحيل الشراه هديل إبداع يبوح للورى سر العيون التي غافلت الصخر بأزاميل عاشقة تَمَسُّ المتورد لهفة عاشق إلى حرير الجسد.

ومن خلال تتبع كلمة البَنّاء في النقوش النبطية المختلفة نجد أسماء البنائين: هانيء وأحيند. وتطَّرِدُ مفردات البناء فترد المفردة شيدا أي المُشَيِّد، ومنهم: وهب الله، وجرم بن هانيء بن كهلان. ومنها كلمة فسلا، أي المعماري النحات، ومنهم: عبد الحارثة بن عبد عبادة، وأفتح بن عبد عبادة، وخلف الله بن حملج، ووهب بن افصا، وحور بن أخي. وربما قام سلام تيم بن وائل الكيال بدور المساح لعملية البناء في التخطيط وتحديد المقاسات.

وقد أيقظ هؤلاء الأنباط الدنيا على عتبات السيق.. فاستفاقت طرقات وادي السرحان ومينا الحوراء.. وشبَّ الحنين لاهباً قافلة سيناء والنقب، وهي تزاحم الغمام والحمام توقاً لحدو العيس على إيقاع الصخر المزخرف لملمات حقب.. ورهين الوصل إذ يبوح لشاهق السيق وفلقه المتعاند شعراً ونساءً ودنان.

أن المتمعن في أسماء أصحاب المهن والحرف والمعمارية يرى أنها جميعا أسماء عربية، رغم الأثر الهلينستي والفارسي والمصري وغيره على طرز العمارة النبطية. وقد أفادت النقوش بأن مبدأ المشاركة في ورش البناء كان ديدنا عند الأنباط، وهو ما يتطلب وجود عمال وفنيين كثر، ربما كان من بينهم اليوناني والفارسي أو المصري، الذين عكسوا ثقافتهم المعمارية على الطرز البنائية في مدن الأنباط الرئيسة...

ومن الملفت للنظر في جانب الحرف اليدوية، أن أغلب أسماء الحرف جاءت في النبطية أسماء أعلام، وينبيء ذلك بعلو شأن هذه الحرف في المجتمع النبطي، وكأنها تضع محددات طبقة اجتماعية معينة. وَتُذَكِّرُ عادة التسمية هذه باستمرارية استخدام المهن والحرف كأسماء للأعلام والعائلات في بلاد الشام حتى وقت قريب. فقد برزت في النقوش النبطية أسماء الحرف اليدوية:/ح ز ف/: خزاف، ولم يكن عدم ورود حرفة الخزافة في النقوش النبطية صراحة، ليثني عن الاعتقاد بعلو شأن هذه الحرفة عند الأنباط، والدارس للفخار النبطي يتعرف على ابتكارات الخزافين الأنباط الرائعة في صناعة الفخار الرقيق المطلي في أفران شوي خاصة، وقد امتاز المطلي "برهافته الشديدة ورقته حتى ليشبه في الرقة بقشرة البيضة، على نحو المبالغة، ... واللون الغالب في هذا النوع هو الأحمر القرميدي أو المائل إلى السمرة".

ومن أسماء الحرف اليدوية الأخرى الحاطبة /ح ط ب ت/ ووردت في نص ترجمته: "هذا القبر الذي صنعه أوس بن فروان لنفسه ولفروان أبيه الحاكم، ولقين انثاه ولحاطبة وحملة بناتهم وأولاد حاطبة". ومنها الخَيّام /ح ي م و/: "ذكرى عريش من قدام ذي الشرى لخيام ابنه، سلام". والصائغ /ص ي ع ا/: "سلام (على) زيد بن تيم الصائغ".

ومن المهن النجار/ ن ج ر/: "سلام (على) وادع بن نجار".

وورد اسم النساج أيضا/ن ش ج و/: "سلام (على) النساج". هي البتراء إذاً عربية التوق والهوى.. أردنية المآل والوئام، تجمع ورديتها تآلف الصلد والندى، واختلاط الحاضر بالغائب، عَوْدَ قاماتها واحتشاد تاريخها ورابط فكرها وأحقابها، مبثوثة الوَدْقِ، ناطقة بالآتي للأردنيين بكوفياتهم وصدورهم الواسعة، ما جلاهم الطيُّ ولا ارتابهم شكٌ فحيثما قلّبت ناظريك كانت البتراء.. وكان الأردن. فأين كان حدُّ التوق عند الأردنيين الأنباط وهم ينحتون صخر الشراه؟ وعلام كان الرهان في عصر تآلبت فيه القوى الخارجية على الجغرافيا والمكان.. اليونان والرومان والفرس.. وإمبراطوريات ميزوبوتاميا.. وأسر مصر القديمة الفرعونية.. وظل الأنباط يبددون التردد واليأس .. فاستحكمَ الحُلمُ في تطويع الصخر والفضاء والدروب.. فكان المنجز يكبر مُبهِتاً ملامح اللامعقول!

فمن أين تبدأ حكاية المعماريين والحرفيين الأنباط؟ ومن الذي ألهم صاحبه هذه المغامرة الإبداعية الجميلة؟ الصخر وتناسقه مع فضاءاته، أم الحضور الأسطوري للأنباط؟ وقد تملكتهم عبقرية الفضاء الممتد نحو عنان السماء في بيدائهم التي نفروا منها مع اتحادهم القيداري نحو عرائش الصخر وصخب اللون بامتزاجه مع ذهب الشمس ليحيل الأفق وردياً.. فتماهى الخزافون والصاغة والنجارون الأنباط مع كيمياء المكان الذي وهبه إكسير الخلود.. ومنح البتراء سطوة الإلحاح على الوعي الكوني منذ قرون، وهي تتلو على الحضارات والثقافات درس التفوق البشري.. وأن منهجا مركزيا يجب أن يمارس الإزاحة الانطباعية أمام تجليات الإبداع الرباني في فضاء الصخر والشراه وبين انتصار العرب الأنباط على جدلية تفوق الفكر المادي الغربي أو الروحاني الشرقي.. حيث أوغل الأنباط في ممارسة سحر التجلي التوليفي المنسجم بين معطيات الشرق والغرب وانصهاره مع سطوة المكان وطغيان فتنته.

يبقى الروائي في فصل"الحارث" أسير فكرة الاجتماع الإنساني الخلدونية في تفسير الوقائع اليومية فالتقاطر المتسارع حد الصراع بين سادة بترا على تأسيس أولوية وشرعية الحكم والقيادة بدت في الرواية من صفحاتها الأولى ومضت بصوت خافت مع تقادم أحداثها وفصولها. ولا ينسحب الروائي من شرعنة الحقيقة التاريخية، فالحاكم الشيخ يعي أن أوان الانتقال من المشيخة إلى الملك حتمية اقتضتها كل وقائع الزمان والحال آنذاك، بيد أنه تدرج بالزعامة في اللقب من الشيخ، إلى الأمير أو شيخ المشايخ ثم إلى المشرع فالملك غير مطلق الصلاحيات.. وبعدما تبوأ عرش بترا ملوك أقوياء شرعنوا تسميتم بالملك. فكان الحارث الأول أول من أعلن نفسه في نقش الخلاصة ملكا على الأنباط في عام تسعة وستين ومائة قبل الميلاد.

ويبدو الحارث في الرواية متدينا مرتبطا بالمعبد، "إنهم الرعية وأنا الراعي، فكن مستعدا.. الحازم من استعد. – القوة منبعها الحق. – إذا اهتز إيمانك بالمعبد اهتز عرشك.. فأوكل الأمر لغيرك"، ولا يعدو هذا السلوك الديني سلوكا ارتبط به حكام الشرق الأدنى القديم بالمجمل، إذ لا غرو في أن الأنباط قد تأثروا بفكرة قداسة الحاكم، الذي يتقاسم السلطتين المدنية والدينية مع الكهنة ورجال الدين.

لقد أحسن هاشم غرايبة اللعب على ذلك الخط الرفيع بين الروائي والموضوعي، في رواية ملحمية خطوط التاريخ العامة فيها مقروءة، وتفاصيها مغاليق ومجاهيل نحتاج ردحا من الزمن وأكواما من المعارف للملمتها، ولذلك يدخل صاحبنا في عالم التخيل في مواقف نتفهم رؤية الروائي فيها ونشفق فيها عليه في إيجاد نسقها وسياقها الموضوعي في تاريخ الأنباط، فقصة اكتشاف الأنباط القار واستخراجه من البحر الميت وتصديره إلى مصر وطمع ديميتريوس ووالده به حوادث تناقلتها لنا مصادر التاريخ الكلاسيكية، وقد أتى المؤلف على ذكرها، وألقى عليها قناع الرواية هروبا ذاتيا ذكيا ينقذ فيه نفسه وينقذنا من متاهة البحث عن تفاصيل القصة التاريخية على نحو سردي.

وفي حوارية كيروس الآدومي معلم القيافة مع تلامذته من بترا وغزة وبصرى والإسكندرية استحضار للمقابل المكاني، واللحظة.. وتفريغ المحتوى المرفوض تأويلا لشرذمة وتقطيع أوصال الأمكنة، وهو ما تشابه به الواقع في تقاسم دول أربع لهذه المواقع مع تخندق الغزاوي وهامان السكندري ويوسف البصري، وشومر نعمان البتراوي.. تلامذة درس التجارة ومحطاتها في فصل "أرتاس" من جزء رواية "بترا" الثالث "أوميد وما ادعى".

البتراء كتاب مفتوح، مقروء في كثير من جوانبة العامة.. يقترب هاشم غرايبة منه حد الوثوق بشرعية الكتابة، إمكانيةً وضرورةً ولونا أدبياً، فالرواية عالمه الواسع في فضاء المكان والزمان، يتشابك فيه مع تاريخ بترا والأنباط، المعطيات المتوفرة من المصادر الأثرية والنقوشية، والتاريخية؛ من مصادر كلاسيكية وعربية وغيرها.

وينحج الروائي في رصد الحياة الشعبية اليومية على نحو ملحمي دون قلق الاتكاء على المصدر، فيستحضر غرايبة قدرته الإبداعية المجلية في الرواية، باستخدام عناصر الخلق والتخييل والتأويل، وتعويم الحدث في جَسْرِ الهوة في تفاصيل التاريخ السردي النبطي، ورصد الحياة اليومية في بترا، والتي غابت في مصادر المؤرخين أو كادت إذا ما قورنت بيوميات بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، وهو ما يلح علينا بتلقي رواية هاشم غرايبة باحتفالية وفرح جديرين ببترا الرواية وبترا عجيبة الدنيا الثانية.

وأسجل بذهنية الباحث وحضور المؤرخ للروائي الأردني الغرايبة قدرته على تجييش الشخصيات التاريخية حضوراً متجددا له عالمه الروائي، يتعاطى فيه الشخوص التاريخيون بشحمهم ولحمهم الحدثَ مع شخوص متخيلة، اقتضتها طبيعة الرواية الملحمية، ليطرح الكاتب من خلالها نفسه فيما لا يستطيع ذلك بحرية مع الشخصيات التاريخية الحقيقية. 

ويتضح غاية الوضوح في مواقع متعددة من الرواية تبادل هاشم غرايبة الدور بين المثقف والمؤرخ والروائي، فهو يرسم الحروف النبطية التي يتعلمها التلاميذ في مدرسة أرتاس، ويعدد تفقيطا المهن السبع المكرسة في سوق بترا، وغير ذلك من أمثلة حضور المؤرخ الصراح، والتي يحيد فيه الروائي للحظات أمام الأرقام المتبوعة بالشرطة أو النقطتين المتعامدتين، وكأنما يشرع الروائي سلفا تفرده في إمكانية خوض غمار تجربة الكتابة عن بترا بنسق سردي روائي لا تاريخي!

ويتعاقب هاشم غرايبة بحرفية عالية بين المؤرخ أعلاه والروائي الذي يخلق الحدث ليضفي بُعْدَ العمل الإبداعي غير التقريري، فقصة الجراد في فصل كامل من الرواية تدخل عالم التخيل الإبداعي غير المشفوع بالسند التاريخي الداعم، بيد أنه يكتسب شرعنته في النسق الروائي  نبوءة راوٍ حام حول عموميات الخبر التاريخي من مصادر مسته مسا رقيقا ولم تبحر في تصويره.

وبعد... فالمكان في رواية "بترا" بطل ثابت مطلق، يتقاسم معه عدد من الأبطال مركزية الحدث في فصل أو اثنين على أطول مدى، ليذهبوا في سبيلهم تاركين الفرصة سانحة لأدوار بطولية جديدة، ولا يزاحم بطولة ملحمة العرب الأنباط بترا سوى "ذو الشرى" الذي يمضي فاعلا مؤثرا من بداية الرواية إلى منتهاها.

"بترا" -ملحمة العرب الأنباط-، أعاد تسطير حروفها الروائي المبدع هاشم غرايبة، في عمل روائي جديد، قمين بتقديمه روائيا أردنيا عربيا متألقا.. وقد صدرت الرواية هذا العام عن مطبعة السفير في عمان، وتولت وزارة الثقافة دعم نشرها، فجاءت الرواية في ثلاثمائة وست وعشرين صفحة من الحجم المتوسط، وفي ثلاثة أبواب كبرى؛ "ذو الشرى وما روى"، و "ساليوس وما كتب"، و "أوميد وما ادعى" تقاسمت تسعة عشر فصلاً.. وقد رأيت أن أعرض لها إكبارا لعمل أحوج ما نكون له، تنظيرا للمكان الأردني، وانتصارا لبترا عروس عجائب الدنيا، وردما للهوة المعرفية عن حضارة العرب الأنباط.

وكم يتملكنا جلال الموقف.. ونحن نرى هاشم غرايبة ينبري للجزء الثاني من ملحمة العرب الأنباط... فنحن نراهن عليه، مبدعا لا تعوزه الأدوات الإبداعية، في عمل روائي كبير كالذي راقنا تعاطيه في "بترا".