|
|
| حكمة الاسبوع |
|---|
| حلم المسافات البعيدة لسليمان القوابعة |
|
|
|
"حلم المسافات البعيدة" لسليمان القوابعة سلطان المعاني
"يا ليلى... أعرفك من زمن سالف، يشتبك في دمك وجدان ووطن...".
الرواية، أياً كانت، مساحة مهمة في نبش قدرات مؤلفها، ومحكّ أساس للتجلي السردي، وإشهار للأدوات الروائية التي تنهض بالعمل. ولعل القبض على نسيج متسق في العمل الروائي الإبداعي رهان حقيقي على جدية الروائي ورصانة منتجه. ولما كانت الرواية فعلا إبداعيا يتخطى حدود الجغرافيا في بث الحس الإنساني فإنه يعول عليها في المد الثقافي وتأصيل الخطاب، وهي فرصة حقيقية للحوار والتلاقي مع الآخر في رصد القواسم الإنسانية والحضارية والثقافية المشتركة بين الناس، سيان تجانست مشاربهم تلك أم تنوعت واختلفت. ولما كان المكان ركن الرواية الأساسي، أو أحدها، فإن عنوان رواية القوابعة يوحي بفضاء مكاني واسع بعيد، وهو بالضرورة متعدد، غير أن تجانساً خطابيا ينتظم كل تلك المسافات، سواء بانتظار حلم يتحقق، أو المنظومة التاريخية والوجدانية في شرقي العالم العربي وغربية. والرواية ذات بيئات مختلفة من ناحية التفاصيل، وفي قاموس اللغة وبناء الجمل وعفوية التعابير وتلقائيتها من ناحية أخرى، فسلاسلة الانتقال من لهجة إلى أخرى يقارب بينها الروائي في لغة طيعة مشتركة تبقي على محليتها، وتنهض بها إلى مستوى الإحساس والفهم والتفاعل العام في سياقاتها وأمكنتها من الرواية. هل تقلّب بطل الرواية عبر تناقضات الجغرافيا والتسربات السلبية نتيجة الاحباطات ومواقف النكوص؟ وربما الهزائم؟.. وهل سار إلى مآل محتوم في ظل رهان الخطاب الوطني العام؟ فلقد أسس المقاتل والمناضل والمقاوم متكآت الرواية بين عبيد الرب الذين يلهجون وطنية وحميّة، ويتوقون لساحات النزال التي تحقق حلم المسافات، وإن بعدت الشقة "من الماء إلى الماء".. فرغم "جمر الصبر والتعب والمواجهة" تنساق أحداث الرواية بانسجام نفسي ووجداني ومجتمعي، وبحتمية تواتر الحدث وتتابع إيقاعاته التي تعكس تجربة الانسجام مع نداء الواقع والواجب. تباعد بين شخصيات الرواية الجغرافيا، وتقارب بينهم حد الالتصاق القضايا.. ولا يملكون سبيلا للاتصال في أكثر أوقاتهم، وإن تيسر لهم ذلك بعد لأي، ففي كلمات قليلة لا تفصح مفرداتها عن تفاصيل كثيرة، بيد أن فيها شيفرة جهادية لا تفكها سوى رفقة النضال ووحدة الوجهة والهدف، وقد ارتسم القوابعة في نسق الرواية خطاً موفقا في رصد تلك الرسائل المتبادلة وتوثيقها داخل خراطيش، لا لتبدو عتبات ولوج إلى السردية الروائية، وإنما بواعث إيقاع لها، تعلن حافة نهاية وبداية وصل مما يسهم في تماسك العمل الروائي. إن عمليات الحفر المعرفي هي سبر أغوار النص تماما مثلما يُعمل الآثاري أدواته حفرا في الطبقات الرسوبية في تعاقباتها الخطّية، والتي كلما سبرنا طبقاتها نزولا ازدادات معارفنا، واتسعت الفضاءات الزمكانية فيها[1]، ففي إهداء الرواية يسكن المكان وفق التسطيح المعرفي جغرافيا الروائي، جبال الجنوب.. من جنوب الأرض، وفي ذلك على أية حال إيحاء يعلو فوق كونه مسقط الرأس ومرتع الصبا، فالجنوب هو تماما كما أراد لروايته مسكون "بالطيبين القابضين على الصبر والتعب.. والمواجهة"[2].. وهم ألف باء البدايات في قراءة الإنسان على الكوكب، وتلمس ملامحه عند الذين يشاركونه التيقظ فوق أبراج وروابط التخوم "من الماء إلى الماء"!.. أما في مسبار البحث المجتمعي لرواية "حلم المسافات البعيدة" فإنك تقرأ ملامح هؤلاء في أمكنة الرواية؛ الشق وبيت الشعر وعرب ابن خضير وسوق الحميدية وحي المهاجرين ويافا، وفي كل الديار الشامية والمغاربية.. فلقد "نظرت إلى خريطة الوطن الواسع من رأس الخيمة لبلاد شنقيط فوجدتها في دفتر الجيب بسعة الكف وفي متناول القدم..."[3]. إن الرسائل التسع التي تبادلها خلف بن خلف مع فتح الله الزين وسلامة بن ضاري نُصُب توثق ذاكرة المقاومة والنضال ورفقة السلاح.. ولا يريد لها الروائي أن تزين صفحات الرواية بداية، ولم يشأ ليجعل منها تاريخا وطللا نتباكى وإياه عليهما ثانية، إنها خلع لثوب التاريخ التقليدي، وهي هنا تتفق مع رؤية مشيل فوكو في كتاب "حفريات المعرفة": "كان التاريخ في ثوبه التقليدي يسعى إلى أن يجعل من نصب الماضي وأثرياته "ذاكرة"، ويحولها إلى وثائق، ويحث تلك الآثار على التكلم... أما اليوم فإن التاريخ هو ما يحول الوثائق إلى نصب أثرية"[4]. وربما يمكننا تناول رسائل هذا العمل الروائي وفق مفهوم الحقل المنهجي للتاريخ، والقائم على عدد من القضايا المنهجية. وأولاها تكوين مجموعات منسقة ومنسجمة من الوثائق، وتوضح مبدأ الاختيار فيما بينها، والقيام بتحديد مستوى التحليل والعناصر التي تتخذ أهميتها من منظوره، ثم توضيح أساس تعيين منهج التحليل، والذي قد يقوم على تحديد المجموعات الكبرى والصغرى التي تقسم المادة المدروسة، وهي مجموعة الرسائل في هذا المقام، وبالتالي تحديد العلاقات التي تسمح بتعيين مجموعة ما[5]. وسوف نحاول من نسق الرسائل المنسجمه هذه تكوين مجمعات معرفية مفككة شكلاً، تتصل معا في الناظم المشترك لها، كونها رسائل من خط النار. إن تفكيك بناء الرسالة يمنح المفردات فرصة الافصاح عما توارى فيها من خصوصية الخطاب، نشجبُ فوقها ما نبتغي من الحفر المعرفي، وفيما ندرج أمثلة تطفح في المعاني العامة، وتملأ فضاء الرواية طيفاً انفعالياً ووجدانياً يكفي مؤونة القراءة الفاحصة واللحوحة؛ ومنها: المقاومة، الوطنيون، المناضلون، الجزائريون، الفرنسيون. إن إشهار هذه المفردات في عناوين منفصلة عن السياق لا يلغي الإيحاءات والدلالات التي تحملها، على النقيض من ذلك، فقد منحها التفكيك فرصة صدارة الأفكار التي تدور في ذهن الروائي والقارئ. ولو ذهبنا مع الكلمات في اقتراب أكثر من الخصوصية والمحلية لتفتحت أمامنا آفاق أرحب على عالم الرواية، وأضفت عليها خصوصية الاستقلال: المحتل، العسكر، الشهداء، مذبحة سطيف، المعتقلون، الفارون من النساء والأطفال والطاعنين.. ففي توالي انفصال المفردات ينهار جدار التأويل في البناء الكلي، ويولد أفق تأويلي آخر، يمنح المفردة خصوصية الحضور في العمل الروائي، ويسهم في البناء التفاعلي مع الحدث، ويرقى بالدور التحريضي للعمل.. فكأنما انتقل الأثر الكامن في المفردة إليها، سواء في البناء السردي في عالم الرواية، أو في إطار الواقع الاجتماعي المعاش. أن المفردات أعلاه في وحداتها المنفصلة أو في هرمية تتابعها إعادة إنتاج يسهم فيه الناقد والقارئ معاً، وهي إذ تتوالى في توازيها أو ترتيبها خارج النص تشكل ذاتيتها دونما تدخل تجميلي أو تأويلي أو بنائي. وفي تتابع تضييق دوائر المفردات يغدو الضوء أكثر سطوعا وتكثيفا فنقرأ: الوالد المناضل، المهام السرية للنساء، قوافل الطوارق، فصائل المقاومة، فتوة الجزائر، جبهة التحرير الوطني، إخوتنا في مصر، جنرالات فرنسا، سالن، الشيوعية، السلاح الأمريكي.. وهكذا تتعرى المفردات خارج النص، مشكلةً عالماً من السؤال المنفتح على احتمالات الجواب، فماذا يضير الأسماء والكلمات التالية أَنّى وضعت؟ للا ربيعة، محسن الوراق، سلامة بن الضاري، خلف بن خلف، العربي بن صالح، سي الطاهر عبد المولى، بو زيد سعال... إن جُلَّ ما نحتاجه هنا هو توضيح مبدأ اختيار هذه الأسماء، ليغدو أمر سيرتهم الذاتية هامشيا أمام لحظة النضال أو الشهادة التي اختاروا. يستبدُّ تفكيكُ العنونات الكبرى في الرواية في فرض الخطاب، وتبقى الوحدات الصغرى تلويناته الاشتقاقية والدلالية، والتي تتجمهر بقصدية من الروائي، وبسطوة من النص، لتكريس ذلك. فالنصوص قبض على الفكرة والإيديولوجيا والمقدس، وتحكمٌ بها، وتحريك لها في اتجاهات مقصودة، وهو ما يضفي على المفردة صفة الانحياز، أَما وقد رغبنا في تفكيكها ونسغها ذاتاً فإنها تستحيل كياناً محورياً غير محكوم بتأثير بيئة النص. إن جغرافيا "حلم المسافات البعيدة" مركبة، ترتبط بواقعين، الأول خارجي يؤطر المعرفة والحدث والواقع باحتمالاته المختلفة؛ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويحفظ خصوصية تَشكُّل الحياة اليومية؛ ولذلك فإن اجتراح أسماء أمكنة من الرواية، ووضعها مفككة يمنحها تاريخية الفكرة إنتاجاً ومنتجاً: الجزائر، فلسطين، المغرب الأقصى، الشام، الخرطوم، قسنطينة، عَمّان، الخليل، ضفاف بردى، باب الواد. إننا هنا لا نوظف هذه الأسماء البتة، لا في الأيديولوجيا، ولا في إي حقل معرفي آخر، إنها فقط وحدات التفكير المثيرة، أو فضاء الإرادة المعرفية عند المستجيب. والواقع الثاني في جغرافيا الرواية داخليّ، ويصبح المكان في واقعه الداخلي جملة المبدع التي يشحنها برموزه وتأويلاته وصوره، فيصل إلى المتلقي من خلال عقل ووجدان الروائي: "فإن مذبحة سطيف، التي راح فيها أربعون ألف شهيد أجهزت على أرواحنا... ألا تذكر كيف كنا نتحسر...؟!"[6] ، فكيف لا تغرقنا هذه اللغة بعالمها الذي يتقطر مشاعراً، صادقة، تجاه الشهادة والشهداء من موقعة سطيف. وفي نصٍ آخر نقرأ: "أخي خلف... الأهل في بلد الجبال يتحدثون عن المناضلين، وترقب المواسم وإرسال قرب زيتهم غربا لقناديل الخليل عبر دروب وادي عربة وجنوب بحر الملح. والدك كبير يا أخي... يُزيت بندقيته (الصواري) لينضم لطلائع المناضلين من الجنوب وشرقي النهر... نصركم الله وأيدكم..."[7]، وفي هذه الفقرة منظومة من المعلومات المُوجِّهة للعمل الروائي، حيث تحرِّضُ سلطةُ النص العقلَ إلى الأمكنة أعلاه، واعتبارها إرادةً نضاليةً ونُصرَةً للأخوة غربي النهر في مقارعة المحتل. وبعد، فلقد انتظرت هذه الرواية المدهشة زهاء ثلاثة عقود حتى درجت إلى مراقي النور!.. وحينما أهدى إليَّ الروائي المبدع سليمان القوابعة نسخة من إصدارها الجميل، كتب بخط يده، يُسائلُني: وكيف انتهى خلف بن خلف بن جابر؟؟!.. ساعتها أيقنت أن القوابعة ما زال يبحث عن جواب لهذا التصارع الداخلي الذي يعتمل في النفس، إزاء الواقع المأزوم والإنكسارات المتتالية. وأيقنت، أيضاً، أنه ظل يبحث عن الاستثناء في قاعدة توالي التردي والهزائم. وأيقنت، ثالثا، أنه عبد من "عبيد الرب"، عاش الثورة والجلاء والاستقلال والمقاومة، وعايش تراجيديا ضياع الأرض الأغلى والأكثر قداسة.. فقارب هذا الجبلي الجنوبي بين المسافات البعيدة وبين عبيد الرب بالحُلُمِ الرِّهان!
[1] ميشال فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، الطبعة الثالثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2005، ص 5. [2] سليمان القوابعة، حلم المسافات البعيدة، عبيد الرب، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، 2007، ص 7. [3] القوابعة، ص 17. [4] فوكو، ص 9. [5] فوكو، ص 12. [6] القوابعة، ص 27. [7] القوابعة، ص 40. |

