|
ادوارد عویس ..... الأمة.. الوطن.. الإنسان نایف النوایسة مقدمة قد يتحفظ المؤرخ في رحلته التاريخية على بعض الوقائع
والأحداث ٠فلا يسجلها كما يتوقع المتلقي، لأنه بجميع الأحوال متورط بعملية ارضائية تضيع إلى حد كبير حياديته، أو موضوعيته المطلوبة، ومثل ذلك وربما أزيد بفعل السياسي الذي يدفعه منهاجه السياسي إلى الخروج على الإستراتجية أو الثوابت والدخول في تيه المراوغة والتكتيك الذي يخدم برنامجه. أما الشاعر فله شان آخر تماماً لأنه، وان مدح هذا أو هجا ذاك ، سيعود إلى نفسه ويتصالح معها ويأخذ من معين القلق أو نبع القضية التي تؤرقه كل أسلحة المواجهة والصدام لأنه في لحظة كتابة القصيدة مسكون بالكون كله كقضية، ولا يقف عند حدود في الرحلة الشعرية ؛ يفصل فيها ويفرز ويحذف ويضيف كما يفعل السياسي والمؤرخ ليس تعميما ً. الشاعر في يقيني مشروع شهيد، وقصيدته التي تعانق الحياة من بنيتها البريئة الندية هي بيان ساطع قد يقود بالشاعر إلى المقصلة ، وعلى هذا الفهم اُشتق اسم الشاعر من الشعور والإحساس وشدة التأثر والرهافة، وأما القصيدة فهي التام من الشعر الذي قصده الشاعر بعد أن استقر في خاطرة وانشغل في تجويده ولم ينح في كتابته نحواً سطحياً وصفياً، أو يلمه أشتاتا كيفما اتفق. القصيدة كما أرى قضية مزدوجة، يذهب شقها الأول إلى معين أزمة يعيشها الشاعر، واجتهد على نقلها إلى نفسه الشاعرة ونسبها إلى جملة أوجاعه الشعرية، وأما الشق الثاني فهو إخراج هذه الأزمة إلى الحياة مرة أخرى من بوتقة اللغة ..هما قضيتان متلازمتان تتصارعان حتى تنبثق القصيدة من بينهما . http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ٢ ادوار عویس / الشاعر اندغمت في مسيرة ادوار عويس الشعرية ذاته الخاصة بذاته العامة، ولا يكاد المتلقي لشعره يفصل بين الذاتين، فالفضاء الشعري الذي يمده الشاعر في سماء البوح ينطلق به من منصة خفية متوارية ومعين جياش طافح بالثورة ..هذا هو عويس الحقيقي إذا ما رفعناه من مقاسات الحياة العادية التي نرى فيها الآخرين ٠٠٠ عويس طاقة نضالية تفصح عنه قصائده كلها لأنه و ّ طد نفسه ورسخ وعيه على هموم أمته ووطنه ، وتبّنى قضايا الإنسان أياً كان محللاً أسباب التجاوز على القيم الإنسانية وداعياً بشجاعة إلى مواجهة هذا التجاوز ٠ انه شاعر الإنسانية الذي لم يقف عند حدود الدين والطائفة أو يتورط في ثقافة الحارات والزوايا والشلل ، وإنما رفع نفسه فوق كل ذلك ؛ فسخت لغته ومبادئه والقضايا التي يواجهها ، فح َ ق علينا أن نسميه (الشاعر السامي أو النبيل ) ومرتكز فلسفته ومفتاح شخصية الشعرية يقومان على دفاعه عن الحرية والإنسان والأرض والوطن ، انه عاشق للحياة الكريمة ٠ وفي هذا البحث ستكون موضوعة الأمة والوطن والإنسان هي المبتغى في النتاج الشعري لهذا الشاعر، والوقوف على معالم إشراقاته التي وضعته في مكان متقدم بين شعراء جيله ٠ الأمة : منذ فتح الشاعر عينيه في ثلاثينيات القرن الماضي وهو يرى انهيار أمته وارتكاسها، وتداعي الأمم عليها كما يتداعى الأكلة على قصعتها، وادوارد عويس بفطرته الثورية وإحساسه الأصيل بكرامته لم يغمض له جفن وهو يرى هذا الارتداد بشكل مهين، فعاش الحالة واستقرت في خلده وتش ربها من كل الجهات، فهو مجاور لفلسطين ولا يحتاج إلى من يوقظ في نفسه مقارع الطبول، ومطلَ على كل شوكة تدق أصابع أمته ويكاد يكون وكيلاً لكل عربي وهو يصرخ موجوعاً ٠٠ انه الشاعر الحر ، الذي ما فتر بركانه ولا خمدت نيرانه ، يد على وجع لم يبارح أمته، ويد أخرى على سلاح الشعر يمتشقه فارساً جوالاً لا تغمض له عين أو تصدأ له كلمات ، أو تنام قصائده على ثغور المواجهة ٠ http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ٣ والأمة عند عويس هي كل المفاصل والأجزاء التي أعطبها الأعداء ، وعاشت بلاء الاستعمار ، واسترخاء الأنظمة والأبناء . يغرز عينه في الأفق الغربي الملتصق بداره فيرى القدس تنزف ، وتتململ في أسرها، وتحاول التخلص من قيودها وتمد يداً لقومها ، لكنها مصفدة بإحكام ، وجرحها نازف ، والعرب ينظرون .. والشاعر في قصيدته (القدس مرمى العصا ) ، دقيقاً واضحاً، تكاد تقرأ من عبوس وجهه حروف الألم والمهانة على وجه القدس ، ويقول : ناديت قومي ولا نار ولا حطب أين المجامر والنيران يا عرب مطلع ناري لقصيدة أرادها الشاعر صرخة في آذان العرب الذين ناداهم وف صل لهم في سيرة مدينة نخرها الأعداء كالسوس الذي ينخر جذر الشجرة ، ثم ينتقل بلغة الراقية من النداء إلى السؤال الفاضح : أين المروءات إن نادت مصفدة في الأسر معتصماً هاجت له القضب القدس في حبسها المشؤوم نازفة تهفو للقيا الذُرى والدمع منسكب مرمى العصا حبسها والحشد ملتئم في قلب يعرب والتاريخ مرتقب ( (أجراس ٠٠٠ ص ١٠ وأقف عند كلمات لها دلالاتها الكاشفة، واحسب أن الشاعر من ألم يؤشر ويصرخ وينزف دماً ودمعاً (مرمى العصا ) فيها عتاب قاسٍ لأمة استرخت وأسبلت جفونها على ذل ، العبارة فيها وخز في قلب الأمة لعلها تفيق من سبات طال، ويصرخ بعد توالي النداءات : يا أيها الحشد إني مرهق ويدي في النار تُكوى وقلبي دأبه النصب إني أقول وللتاريخ ذاكرة تُصغي إلي وقولي اليوم محتسب كل الخطايا ما أروت لنا ظمأً ولا شفى من ضنى نفط ولا ذهب إنا نُريد دواء يستطب به قوامه العزم والنيران والغضب ( (أجراس ٠٠٠ ص ١٠ إذاً، حتى تعود القدس حرة كريمة ، وفق ما يؤكد الشاعر ، علينا أن نتجاوز (القول الوديع) كالخطابات، والمال الدافق كالنفط والذهب، ونركز الإرادة على دواء نضالي مركب من ثلاثة عناصر هي (العزم والنيران والغضب ) ، هي الثورة على الظلم والعدوان ،دعوة صريحة لإيقاظ الأمة من نومها العميق ٠ http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ٤ وفي قصيدة أخرى لها وجع شخصي في حياة الشاعر عنوانها (أزف الرحيل) لم يغفل عن هواجسه القومية أو تبارحه آلام الأمة ، فهو حين يخاطب جرش وعجلون وكل الأمكنة الأردنية تقفز من معين وجعه ما أصاب الأمة من نكبات ، ويقول : وأجلت طرفي في بقاع عروبتي فتساوت الفيحاء والصحراء لا تونس التفتت ولا انحسر الضنى عن نيل مصر ولا شدت صنعاء لا أسعفتني في الشام غمائم أو غاب عني في العراق عناء ( (أجراس ٠٠٠ ص ٢٣ ماذا أقول وأي نوح مفجع يدمي الجوانح والّنواح نداء ( (أجراس ٠٠ ص ٢٣ هنا ومن شدة الألم لم يعد النداء يفيد فاستخدم الشاعر سلاحاً جديداً لإيقاظ الأمة هو النواح ، لعل هناك من تهزه سورة النواح وينهض من سبات كما فعل زهير وهو يسمع الصريخ : إذا ما سمعنا صارخاً، فَعجت بنا إلى صوته ورق المراكل ض مر (لسان العرب/ صرخ ) وأعجب الشعر ما خاطب به الشاعر أمته التي تعيش الوهن والتردي وفي الحين ذاته تُغرق العالم بالنفط والذهب ، هنا ، يدخل إلى باحة الأمة من تاريخ أمجادها ورصيدها التالد في بناء العالم ويهزها بشعره لعلها تستيقظ ، انه شاعر مؤ رق بهموم قومه، لذلك يقول منادياً متعجباً، في قصيدته (يا امة العرب ٠٠ يا أعجب العجب !!!! ) : يا امة العرب يا أعجب العجب في غمرة البلوى وفي عواصف النُّوب في خيبة المسعى وفي غياهب التعب اهدي خطابات الأسى إليك يا فاتنتي واشرح السبب ( (أجراس ٠٠ ص ٣١ ولعله وهو يشرح السبب كان يبكي ويتقطع قلبه من الأسى، فهو شاعر حساس مسكون بأوجاع الأمة، وآل على نفسه أن يوالي النداء والصراخ فقد يكون هناك من يفهم تر جيه : http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ٥ وهل ألاقي وجهك الجميل يا معشوقتي في سورة الغضب ( (أجراس ٠٠ ص ٣٥ في موقع آخر لم يناد مصر ب (يا مصر ) في قصيدته (يا أمنا يا مصر ) وإنما نسب أمومتها إلى الجماعة، وفي العنوان ياءا نداء لزيادة تأكيد القضية المصيرية ، وأن مصر هي عصب مهم في جسم الأمة يقول : يا أمنا يا مصر قض المضجع وانهد قلبك والصروح تصدع ( (أجراس.. ص ٧٧ هذا بيان مهم لكشف الأوجاع ، فبدأ من خوفو، وعمر بن العاص، وعبد الناصر من خلال الإشارة إلى (يوليو ) ويذكر النيل في جريانه، الذي يشبه دوام المجد والعز ٠٠ وينتهي إلى حكمة حاسمة لدوامة الذل فيقول : ما الموت أن تبلى الجسوم وإنما موت الفضائل في النفوس الأفظع ( (أجراس ٠٠ ص ٨٠ وفي وجدية ل(بيسان) ترى شاعرا يحترق غيظا وألما ، ويتحرق شوقا ورجاء ، وهو إذ يعبر النهر إلى بيسان تظل نفسه الشاعرة على تضاريس القضية تلهج بالنداء لعل هناك من يسمع: يا نهر الأحزان المتدفق فوق صحارى الهجر ويا هول تضاريس الأشواق المسفوحة خلف جدار القهر ( ( ريادة.. ص ٢٧ وينفجر قائلا: يا قلبا يرتاد الخصب بلا جدوى..... فأس.... حجر.... كأس…. قمر…. كل الأشياء هنا عجب كل الأشياء هنا حيرى لكنه لا يفقد الأمل ، فيلتمس بزوغه من عمق الجرح فيخاطب بيسان: بيسان أذيعي (سر الليل) لعل حنين سروج الخيل http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ٦ لعل عطاش خيول الليل بنزف الجرح … وسفح البوح… ووهج النوح تغ ّذ الخطو إلى مرسى…. تدنو بالقلب إلى لقيا…. ( ( ريادة.. ص ٣٤ ويقول الشاعر لسلمى قولا مضمخا بالأسى والأمل ؛ يكويه الذل من جهة ويرحل به الرجاء إلى الآفاق البعيدة في أرجاء الأفق ، والوطن السليب على مرمى العصا منه من جهة أخرى، وفي (أقول لسلمى ) بوح صاف إطاره الألم وعمقه الشوق إلى الحرية ومبتغاه لحظة عز ، يقول : أقول لسلمى : أضاء الحنين .. وعانق بوح الرؤى الآسية فهزته ريح الهوى الساحلي تؤجج أوجاعه الدامية ... ويناديها بلهفة المشتاق للوطن وعشق الشهيد للإله ولا يكون ذلك إلا بمثل عشق الحرائق : تعالي نجدد ليلة عشق فشوق الحرائق نار ونور بمجد الحرائق تزهو العصور ( (رواء المساء ص ٣١ وتنفتح أبواب القريحة عنده على مصاريعها بين يدي ذكرى ميلاد عرار ،فتجنح به مراكب القصيدة إلى هموم الأمة وانكساراتها وتر ديها وكأن الشاعر وجد في هذه المناسبة ما يستفز فيه مكامن الألم والحنين إلى وقفة عز، ويخاطب عرار : عرار مهلا فعندي نفثة عصفت رعناء تمعن في الأحشاء تطعينا .................... في موطن العرب أنصاب بها شبق تراود الناس ترويضا وتدجينا وللسياسة أسواق مخصصة وقد أقاموا لها فينا دكاكينا ( (رواء المساء.. ص ٣٧ ويخاطبه قائلا : يا شاعر الشعب .. هل تهدي لنا رمق من نبض شعرك يشفينا ويهدينا يعبد للشعر أياما زهون على درب النضال ... بها يحلو تلاقينا http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ٧ ( ( رواء المساء ص ٣٧ وهو إذ ينشغل بقضايا الأمة وما أثخنت به من جراحات ومصائب يجعل من فلسطين البؤرة الفاعلة في ذلك كله ، ونرى هذا التوجه مبثوثا في معظم شعره ، انطلاقا من قدسية القضية المصرية المحورية ، فلسطين هي عروس الشرق وأم الحضارات ، ويبكيها في قصيدته (أغنية فلسطين ) قائلا : يا عروس الشرق ضوعي بالمنى وانثري عطرك ضوعا ملهما كنت أما للحضارات على حقب الدهر تجيرا لأمما وفي القصيدة التي تليها (يا أخوة ع دوا للعشرة ) ينادي من قلبه العرب في كل مكان ، ويستنهض هممهم ويوقظ فيهم مشاعل الحياة لعل واحدا فيهم يقوم ويعد للعشرة : يا أخوة عددا للعشرة فالخيبة فينا منتشرة والنعمة عنا مندحرة ها نحن نسارع كالبرق ............ إلى أن يقول : والحاصل من كل الحسبة فشل...فشل....فشل...فشل ( ( رواء المساء.. ص ٥٣ والقصيدة تش ّ خص مقاطع أدواء الأمة في كل مفاصلها ، ولكن لم ييأس ، لأن العد للعشرة لم يتوقف ، والأمل بالنهوض قائم . وما أجمل النداء في قصيدته ( أمي ) الذي أراده الشاعر واخزا ، كاشفا ، مشيرا إلى حالات الوهن والهبوط والقنوط ، راجيا اليقظة والوقوف ، انه شاعر موجوع بأمته ، فو ّ ظف كل كلمة في شعره لتكون جرسا منذرا ، ونداء ملحا ؛ بدأ في المقطع الاول من القصيدة مكررا ( أمتي ...أمتي ) ، وكذلك كرره في الثاني لأنه في معرض توصيف الداء وتعرية الموقف ، أما المقطع الثالث فاكتفى بكلمة واحده من النداء ( أمتي ) فهو في مقام التوسل والرجاء كما يفعل الطفل وهو يحاول إيقاظ أمه النائمة لترضعه ... وحينما لم تقم الأم عاد الشاعر وكرر النداء في المقطعين الآخرين ، انه توازن فني لافت في القصيدة بلغه عالية المستوى لان الموقف جلل والحالة تستدعي النداء المتكرر. ولا أزعم إذا قلت أن ديوان "رواء المساء" هو رحلة حقيقية في أوجاع الأمة ، وقد استوطنه الشاعر ليكون جواز سفره إلى قلوب الذين يبحثون عن ضوء في العتمة . http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ٨ الوطن واضع هنا مفهوما محددا للوطن عن ادوار عويس على صعوبة هذا التحديد ومجافاته للرسالة الفكرية الشاملة التي استوعبت كل شعره لكنه ابن وطن يلاحقه وجغرافيا تطبع تضاريسها على قلبه ، وتسمه بمياسمها الصريحة .... ينطلق الشاعر من بيته أولا إلى هذا الفضاء الواسع ثم إلى عجلون مسقط رأسه ويسيح بعد ذلك في كل الأمكنة الأردنية ، بيد انه في كل زواياها لا يبتعد عن فضائه الشعري الرئيس وهو الأمة ، انه شاعر جاد حتى في أكثر اللحظات ( شخصية ) ... يتشكل الوطن عنده من الأسرة ، لذا لا عجب إذا س مى دواوينه بأسماء أعضاء أسرته ، وكان قد و ّ طن النفس على ربط هذه الأسرة الكريمة بعمقها القومي ، ووضع عليها عبئا ثقيلا لا تحيد عنه تجاه قضايا الأمة . يهدي ديوانه الأول ( ريادة ) لزوجته نهيل ، هذه الزوجة التي بدت شاخصة في القصيدة الأولى ( حبيبي لما غاب الليل ) ، وأرى فيها عشقا حقيقيا ، وبيتا بني على الحب وصنع الحياة ، إنها الرادة على هيئة بنت أو بيت أو انطلاقة ... ويرد المكان الأردني عنده مقرونا بفلسفة الشاعر إجمالا ، ويقول في قصيدته ( عيون البلقاء ) أي عيون بنات البلقاء ويذكر فيها عرارا : وعيون في السلط أُرقن عمرا وخبرن الهوى وذبن انتظارا ( أيها المنتحي بجلعاد دارا ما سلونا ذكراك والأخبار ) هو حق بعد البعاد عتاب طب َ ت فرع الأُلى وطبنا مزارا فأحس من فاتن الرواء نهيلا في هوانا ... ونضد الأشعار أي عيون البلقاء رفقا بقلب في هو الغيد ما أطاق اصطبارا ثقلت وطأة الخطوب على القلب وأدماه بأسها إصرارا ( ( ريادة .. ص ١١٠ وهنا نجد الشاعر إلى الخطوب والماسي أميل حتى وهو بين الحسناوات والغيد اللواتي يعاتبنه على قلة شعره فيهن ... انه الأرق الأعلى الذي لا يلبث يعاوده حتى في أكثر حالاته انعزالا وخصوصية . انه شاعرا أصيل وصادق . http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ٩ لكن الشاعر العاشق لأمته لا يغيب وطنه ( الأردن ) من قلبه فهو حاضر عنده بكل حواضره وبواديه ... ففي ديوانه ( أغنيات إلى يارا ) والذي أرادته أبنته يارا أن تس ميه باسم ابنتها (سوار الأغنيات ) بهدف أن يحمل أبناء وأحفاد الشاعر رسالته ذاتها ، ويقول في الإهداء : أردن يا أغنية البهاء مفاتن السحر أردن يا ترنيمة العبير في ارتعاشة الزهر . ........... يا موطني .... يا موئل الجلال في ارتحال صبوة القمر ( ( سوار الأغنيات ..ص ١١ إذاً ، لم يغفل الشاعر مكانة الأردن في قلبه ، إذ لازمه وطنا وأغنية وقصيدة . ولكن أي أردن تغّنى به الشاعر ؟! هو..عمان التي عشقها وسكنت أحلامه وفتنته بحسنها،يقول في ( عمان عشقتك فاتنتي : ( عمان تُحاور ترحالي أشذاء الورد فاعّللُ لوع َ ة أمالي بجنان ال رغد ............ عمان بهاؤك منتجعي واللقيا وعد سأشيد مجدك من وجع ودمي والوجد ( (سوار الأغنيات ..ص ١٣ http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ١٠ أبداً ،لا يغيب الوجع عن ذهن الشاعر حتى وهو يتغزل بعمان ويبحث في عينيها عن شموس الحياة ... ويعود إلى عجلون الحبيبة إلى قلبه، ليقرأ في كتابها الجميل سحر الوطن وجمال المكان، ففي قصيدته ( سحر عجلون ) بوح خاص من عاشق عنيد : عجلون والسحر والأحلام والصور نبع الجمال وحسن خالد عطر عجلون والقلب لا يخلي مرابعه يممت صوبك والآمال تنتظر ( ( سوار الأغنيات..ص ١٧ بمعنى أن الشاعر مهما أخذته الجهات وابتعدت به مقاصد الحياة ، وعلا كثيرا في مشوار العمر إ ّ لا انه لا ينسى ( مربعه ) ،وعجلون عند الشاعر هي أول منزل واليها يتوق القلب ، هي قلعة الربض ، واستب ، وغابة البطم ، والصوان ، واشتفينا . ويذهب إلى ( عروس الشمال ) ويناجيها وكأنه صوفي يناجي الذات الإلهية في مقام الجذب يقول : يا اربد فيضي وامتدي بالحب وأمل السعد وابني بالسيف وبالورد صرحا للمجد وأسوار فهذه القصيدة مختلفة في قافيتها وبحرها لأن الشاعر يرى المدينة ليست كما المدن الأخرى : يا اربد مغناك السهل رحب والسهل كما التل رغد والبهجة تنهل من سحر سمائك أمطار ويراها الشاعر عرسا للمجد ، ولا عجب عنده أن تكون المدينة الأصيل ة التي تحافظ على العهد للأردن وسيادته وعروبته : عرس للمجد لك انتسبا وشجا الأردن به العربا يختال برفعته طربا ويضيء بزندك أسوارا ( ( سوار الأغنيات ... ص ٢١ وينشد الشاعر للأردن كاشفا عن محبته وانتمائه يقول في أنشودة " وطني الأردن " : وطني الأردن رسمت غدي في تربك يا أحلى بلد وحفظت بهاءك للأبد يمتد بقلبي بستانا http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ١١ ويقسم الشاعر أن يظل وفيا للأردن ، وفي يقيني أن الانتماء الحقيقي للأمة يبدأ من الوطن ومسقط الرأس لأنه حين يقول : عهدا أردن مدى الزمن في السلم وفي نار المحن سأظل فداءك يا وطني وأعيش لمجدك عنوانا لم يجد الشاعر غضاضة في ربط هذا العهد ببعده العروبي الصافي فقال: بالعلم نرد وبالأدب والقوة كيد المغتصب فيضيء بناء مجد العرب والقدس تعانق عمان ( ( سوار الأغنيات ..ص ٢٥ فالأردن هو حاضن هذا الشعور الذي يفضي بالشاعر إلى المجد العروبة ، ورمز ذلك العناق الأصيل بين مدينتين عظيمتين هما القدس وعمان ، فالشاعر لم ينتبه كثيرا في محليته ، فآب إلى همة المقيم ( امة العرب) ،ولم يلهه هذا الهم الالتفات إلى ربوع الأردن يقينا منه أن الأردن في مبتدأ تكوينه قام على قضية العرب وحملها والانهمام بها . حظي " الوطن " بحصة كبيرة من شعر عويس ، والتقط من هذا الوطن أزهى الخيوط وأجملها، يقول : أردن يا أردن أي مشيئة في مقلتيك تصعد الإصرار شيدت صرحا للمنى يزهو به شوق العروبة عاصفا جبارا وحملت راية وحدة عربية تمحي الحدود تهدم الأسوار هي ثورة عظمى يتيه بوهجها أمل العروبة ساطعا هدارا ويذكر الكرامة والقدس وعمان والنهر المقدس ومكة والمدينة ، انه يفتح سجلا وجدانيا لجغرافيا المجد والذكريات والعزة ، وكأنك وأنت تقرأ لادوارد عويس قصائده الوطنية ترى شاعرا يذهب بعيدا عن عجلون ، لكن ما وقر في القلب وشددت البناء عليه في يقيني هو أن من لا يحب مسقط رأسه لا يصدق فيما يدعيه من حب لسواه.. الصدق يقين كلي غير مجزأ ، وعويس أقام وطنه الشعري على صدق ونقاء فجاءت نفسه الشاعرة مقترنة بعمقها الشعوري القومي صادقة في التعبير عنها دون مواربة أو إيغال في التأويل.. غّنى الشاعر للأردن وعجلون وجرش والسلط وعمان واربد ، وانشد للأطفال ، وكان ملتحما بفضائه الشعري في كل الظروف والأحوال.. المكان عند عويس منصة مؤقتة ينطلق منها إلى علياء الهدف المتصل بالأمة وقضيتها المصيرية (فلسطين). http://nayef.nawiseh.com موقع الأدیب نایف النوایسة ١٢ الإنسان لم يغفل ادوارد عويس موقع الإنسان في رحلة القصيدة داخل نفسه ، فهو حاضر في دور الأب وألام والحبيب والحبيبة والأجيال التي تصارع صوب المرتقى الصعب ، وكان مع المهمشين والذين تطحنهم الأيام والليالي واحدا منهم ومدافعا عنهم . تبدأ الحياة بالحب ،ولعلها بداية الإبداع والخلق ، فيقول في قصيدته(حبيبي لما غاب الليل)على لسان الحبيبة : حبيبي لما غاب الليل واطلع عطر هواي على شفتيك
|