من دراسة د.محمد العناقرة في شاعر الضاد طباعة أرسل إلى صديق

مقدمة دراسة د. محمد محمود العناقرة من كتاب رجالات من الأردن

 


من الرعيل الاول : ادوارد عويس الشاعر والمفكر

إعداد: الدكتور محمد العناقرة

جريدة الدستور العدد رقم 14705

السبت 29 ربيع الثاني 1430 هـ الموافق 25 نيسان 2009

 

ادوارد عويس مفكر وشاعر أردني حمل لقب شاعر الأردن الكبير والملقـّب بقلعة الضاد في الاوساط الأدبية الأردنية حيث كان أول من اطلق عليه هذا اللقب صحافة جامعة اليرموك.

نذر ادوارد عويس عمره للإبداع في مجالات العلم والفكر واللغة والشعر ، وهو صاحب نظرية العروض اللوني ونظريات فنية تقنية في علوم اللغة العربية والخط العربي ، واحد معلمي مرحلة الرعيل الاول الذين قضوا جلّ عمرهم اخلاصاً لرسالة التعليم فانشأوا اجيالاً واعية ومثقفة ، ومن المؤسسين للحداثة الشعرية في الأردن واحد ابرز الأدباء الذين رفدوا الحركة الثقافية العربية بغزير انتاجهم .

 

دخل ادوارد عويس كل بيت في الاردن عن طريق قصائده المنشورة في كتب المناهج المدرسية والتي حفظها أطفال الأردن وغنوها نذكر منها النشيد الذي عُرف من خلاله:

 

وطني الأُردنُّ رسمْتُ غَدًي في تُرْبًكَ يا أَحـلــــى بَلــَدً

 

وحفـــظْــتُ بهـــاءَكَ لـلأبَـــدً يَمْتَـدُّ بقلـــــــبيَ بُسْــــتانا

 

وطنــــي الأردنُّ أنا الأمـــلُ بًيدي بًيدي يَحلو العملُ

 

أَزْهُـــــو بعيونًــكَ تــكتـحــل غاراً للنصــــرً وريحــــانا

 

ولد ادوارد عويس في مدينة عجلون شمال الأردن عند الساعة الثامنة من مساء يوم الثلاثاء 3,11,6391 م ، تلك المدينة العريقة ذات الأهمية التاريخية الاستراتيجية العسكرية على مدار مراحل التاريخ ، فنشأ ودرس فيها ، حيث اتسمت حياة ادوارد عويس بشيء من المعاناة فكانت طفولته شاقة ، وبالرغم من هذا فقد امتازت فترات حياته التالية بالنشاط الاجتماعي والادبي بوتيرة عالية وبشكل ملحوظ ، فبرز كشخصية اعتبارية اجتماعياً في شمال الاردن وكان بيته في عجلون محجّة لطلبة الجامعات دارسي العربية ، وظهر جلّ نشاطه الأدبي في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم ، وتمثل الجزء الباقي من حياته في ظروف حياة متشابكة بالصوفية الإبداعية التي أخذته ليخلد الى اجواء المعاناة التي امتزجت بالإبداع ، فجاء شعره متحدثاً عنه وعن حياته .

 

وشكّل شعر ادوارد عويس مدرسة في الفكر الفلسفي ، سجّلت إضافة نوعية للفكر الإنساني على مر التاريخ ، وصاحب اكتشاف غير مسبوق في اوزان الشعر العربي إنها نظرية العروض اللوني وصاحب نظريات فنية تقنية في علوم اللغة العربية والخط العربي ، وترجمت بعض أشعاره إلى لغات اخرى.

 

وللشاعر قصائد وأناشيد تتغنى بمجد الأردن وجماله منها ما يدرّس في كتب المناهج المدرسية الأردنية وترك أيضاً إرثاً لم ينشر بعد نذكر منه مخطوطات منها: ديوان اجراس قبل الرحيل ، و ديوان ليالي القمر ، وديوان أغنيات الى يارا ، وديوان في الشعر الشعبي ، و مسرحيات شعرية غنائية ، ومخطوطة في الفلسفة وعلوم اللغة.

 

يقول الدكتور ناصر الدين الأسد :”والشاعر إدوارد عويس يمتاز في حياته وتعامله مع أصدقائه ومعارفه بصفاء النفس ووضوح الفكر والمشاعر والمباشرة في التعبير عنها. وقد تمثلت هذه الصفات النفسية والفكرية والتعبيرية في شعره الذي اطلعت عليه ، وهو شعر جاء أكثره في الغزل وفي الوطنيات ، وما أن يبدأ القارئ قراءة القصيدة حتى ينساب معها ويتسلسل فلا يقف إلا في نهايتها ، وذلك لما تتميز به أبياته من وفرة موسيقية ومن سلامة في اللغة ومن بُعْدْ عن التعقيد والغموض والتعمية. ومجال الاستشهاد على كل ذلك واسع ولكن حسبي أن استشهد بقوله في قصيدته”أمطار في الصيف”

 

(ديوانه: ريادة 37ص - )40 :

 

أشتاقُ إليكً ويغمُرني

 

فيضّ يمتدّ فينحسر

 

وتدور الأرض فأرقب أن

 

يتساقط في صيفي مطر

 

رحلتْ أيامي في عينيكً

 

وطال النأيُ ولا خَبَرُ

 

إلى آخر الأبيات .

 

والشاعر حريص على فصاحة لغته وسلامتها وعلى صحّة أسلوبه وتراكيبه اللغوية ، وتمثل ذلك في شعره الذي على الشطرتين وفي شعره الذي على التفعيلة الواحدة”.

 

أما الدكتور خالد الكركي قال في تأبين ادوارد عويس:”وأمس ، واليوم ، مانسيناه ، وعهدنا به قريب ، وأمس ، كنا في انتظاره عائدا الى البيت ، قامة في علو عجلون ، ووجهاً في بهجة ليلها وشًعراً في غموض خوابيها وزماناً آخر يطلع من القلعة والشجر و النساء ، و بهجة شموسها ، ووعداً بزمان أردني جديد يُطعم الناس فيه من جوع ، ويأمنون من خوف…

 

هذا هو زمانك القادم ، مثل قصائدك التي حملّتها الحداثة ، والريادة والرواء ، زمان ندوّن على صفحاته بالايقاع والصورة زهو الوطن وأحزانه وحكايات عشاقه.

 

واليوم أسألك أنت : هل لك من سفر المنية أوبة ؟،

 

لقد سبقت أيّها المعلم ، وبقينا هنا ، حرّاس حلم كنت تطبق جفنيك عليه حتى لا يغيب” .

 

وتحدث الدكتور محمود مهيدات في تأبين ادوارد عويس قائلاً: “هكذا هم العظماء الذين ادركوا معنى الحياة ، والعظماء اطول الناس اعماراً وان قلَت على ظهر الدنيا ايامهم لأنهم يحملون على عواتقهم احجار هياكل الخلود”.

 

أما الدكتور سمير قطامي فقد وصف ادوارد عويس قائلاً: “شاعرا ملأ الجو بأشعاره السياسية والوطنية ابن عجلون .. شامخاً شموخ جبالها ، عميق الجذور كآثارها الخالدة ، معطاءً كزيتونها ، طيب النفس كهوائها ، صلب المواقف كصخورها .. فكان لعجلون ان تعطي ببيئتها دوراً قوياً في تشكيل شخصية المبدع .

 

شاعر نذر نفسه لقضايا وطنه وأمته ، مؤمناً بالحرية والعدل والإخاء ، غنى للأرض والانسان والوطن والحرية ، اعذب الشعر وأصدقه ، وبكى حال أمته .

 

برحيل ادوارد عويس فقدنا سيفاً قاطعاً وقلماً جريئاً ورمزاً وطنياً وقلباً نقيا”.

 

أما محافظ عجلون السابق علي الشرعه فقد وصفه قائلاً: “لقد كان شاعرُنا الراحلُ كبيراً ……. في داخل نفسه وكان كبيرا .. في ولائه وإخلاصه لوطنه وأمته .. وكان كبيرا .. في عطائه لأجيال عديدة تتلمذت في مدرسته .. وكان كبيراً .. في غزارة إنتاجه وشعره .. وكان كبيراً .. في تماهيه مع روعة الطبيعة التي تجسد حسن إبداع ربًّه . لقد كان كبيراً في كلًّ حياته ومن الصعب أن نفيَ الكبارَ حقهم” .

 

ويقول عبدالله ابورمان في إدوارد عويس: “هو موهبة مبدعة خلاقة وكل من يقرأ شعره ونتاجه بعين المتأمل ووجدانه قادر ان يكتشف جانباً من جوانب الإبداع والتميز ، وملامحا من سماته الشخصية وسجاياه”.

 

ويذكر الأستاذ احمد العسم رئيس الهيئة الإدارية في اتحاد أدباء وكتاب دولة الإمارات العربية المتحدة ادوارد عويس قائلاً: “الشاعر الكبير ادوارد عويس لم تغب عنا ، ولم يغب ليل شعرك عن قلوبنا ، ولم يغب النشيد وانت من قرأ الحياة واسكن نفوسنا . هي تلك الانسيابية المفعمة بالحب والروح بعفوية وتلقائية روحك ايها الجميل ، وأنت تأخذنا الى صدرك النازف محبة وابتسامات .

 

ان لغة الراحل العزيز هي لغة محرّضة للقفز والركض والنبش والدخول الى عمق القصيدة ، وهي مكان خالد للحروف الصادقة الخارجة دون تكلّف وانشائية ، ادوارد عويس باق فينا ولم يرحل” .

 

ويصف الأستاذ محمد نصيف الشاعر العراقي شعر ادوارد عويس قائلاً: “عندما تتأمل شعر ادوارد عويس تحس بأنك تقف أمام ركيزة متأصلة من ركائز الشعر العربي وتدرك أنك أمام فارس أصيل انصهر في قضايا أمته العربية وألزم نفسه بأن يكون الناطق الرسمي بتطلعاتها وآلامها التي كانت ترتسم في حروفه وكلماته المتدفقة من اعماق نفسه الصادقة والمخلصة لرسالة أمته الخالدة” .

 

أما الكتاب المغربي ناجي أمين يقول: “ادوارد عويس ايها الغائب الحاضر فينا .. غادرتنا في صمت وإباء .. غادرتنا في حكمة الانبياء .. كما الاشجار تحيا واقفة وتموت واقفة … كما الشهداء الأبرار ، والصديقون .. يغادرون لكنهم يعلمون أن لهم في قلوب محبيهم سكنا وان اسماءهم منقوشة في ذاكرة الأمم على طول المدى. ”

 

ويقول الكاتب الجزائري محمد شعوفي في ادوارد عويس: “هكذا يكون العظماء يتركون بصماتهم تؤرخ للأمة لتوجهها نحو ما ينفعها ، أعطيتم من أنفسكم ما ملأ الفراغ بعدكم ، ادوارد عويس رحل عنا بالجسد ولكن روحه باقية تسري فينا وتخاطب وجدان كل عربي ، وكأني بها تراقبنا في خطواتنا وتصرفاتنا ، و بحكمته وتوجيهاته تنبعث فينا روح النهضة التي كان من روادها ليستقي الشباب من همته نيران الثورة العلمية والأدبية الى تحرير القدس وعودة الأمة الى سابق نهضتها ديناً وعقيدة وعروبة .

 

داهم المرض ادوراد عويس عام 2006 ، فأرسل من قبل جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم للعلاج في لندن ، فاكتسب الشفاء على أثرها ثم عاوده المرض بعد عامين فرحل عن هذه الدنيا في 72,7,8002م ، ليدفن حيثما أراد على مدخل مدينة عجلون التاريخية

 

 

 

إضافة تعليق